فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 198

، قال: أعطها ثوبا، قال لا أجد، قال: أعطها ولو خاتما من حديد، فاعتلَّ له، فقال: ما معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا، قال فقد زوجتكها بما معك من القرآن).

وخير دليل على كثرة الحفاظ في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قتل منهم في بئر معونة المعروفة بـ"سرية القراء"سبعون رجلا، كما قتل منهم يوم اليمامة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه سبعون قارئا.

وذكر أبو عبيد في كتابه"القراءات"عددا كبيرا من القراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر كثيرا من المهاجرين، وكثيرا من الأنصار، وبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

ويتبين من ذلك أن الله عز وجل حفظ القرآن على الأرض بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أصحابه رضوان الله عليهم والتابعين وكافة المؤمنين بعد ذلك.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الأول، وكان هو صلى الله عليه وسلم أشد تلهفًا على حفظ القرآن، ولهذا كان إذا نزل عليه الوحي بشيء من القرآن يحرك به لسانه استعجالًا في حفظه فنهاه الله عن ذلك في قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: 16 - 19) ، ولعل ذلك والله أعلم لئلا ينشغل بالحفظ عن الفهم قال ابن حجر رحمه الله: (وكان من أصل الدين أن المبادرة إلى أفعال الخير مطلوبة، فنبه أنه قد يعترض على هذا المطلوب ما هو أجل منه وهو الإصغاء إلى الوحي وتفهم ما يرد منه، والتشاغل بالحفظ قد يصد عن ذلك فأمر أن لا يبادر إلى التحفظ لأن تحفيظه مضمون على ربه وليصغ إلى ما يرد عليه إلى أن ينقضي فيتبع ما اشتمل عليه) .

أخرج البخاري بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل عليه بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه، فأنزل الله الآية التي في(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) قال: علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فإذا أنزلناه فاستمع (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) علينا أن نبينه بلسانك، قال: فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله).

عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه وحدثوا عني ولا حرج. . .) .

قال ابن كثير رحمه الله في معنى هذا الحديث: (أي لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها) .

قلت: ويؤيد قول ابن كثير هذا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (وحدثوا عني ولا حرج) فرواية الحديث وتناقله مشافهة لا حرج فيها بل هي ضرورة لا بد منها لنشر الدين حيث كان الصحابة يتناقلون أقوال النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ويبلغ الشاهد الغائب كما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت