ويدخل في المنكر كل ذنب ومعصية، تتعلق بحق الله تعالى.
(والبغي) : كل عدوان على الخلق، في الدماء، والأموال، والأعراض.
فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات، لم يبق شيء، إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل أو أحسان، أو إيتاء ذي قربى، فهي مما أمر الله به. وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر، أو بغي، فهي مما نهى الله عنه. وبها يعلم حسن ما أمر الله به، وقبح ما نهي عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال وترد إليها سائر الأحوال والأعمال. فتبارك من جعل من كلامه، الهدى، والشفاء، والنور، والفرقان بين جميع الأشياء.
ولهذا قال:
(يعظكم) أي: بما بينه لكم في كتابه يأمركم بما فيه غاية صلاحكم ونهيكم، عما فيه مضرتكم. (لعلكم تذكرون) : ما يعظكم به، فتفهمونه وتعقلونه وتعملوا بمقتضاه فسعدتم سعادة لا شقاوة معها.
وهكذا جمعت تلك الآية الأمر بالخير كله، والنهى عن الشر كله. فماذا لو وضع المسلم هذه الآية نصب عينيه وفقه ما فيها، وعمل بمقتضاها، وعمل المسلمون جميعا بما في هذه الآية الجامعة الكافية، لعشنا في سعادة بالغة وأمن وأمان فلا فُحش ولا منكر ولا بغي، بل عدل وإحسان وصله رحم.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (آل عمران:161) .
يقول القرطبي في تفسير هذه الآية:"أي يأتي به حاملًا له على ظهره وعلى رقبته، معذبًا بحمله وثقله، ومرعوبًا بصوته، وموبخًا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد".
والأصل في الغلول: الأخذ من الغنيمة قبل أن تُقسم، ويدخل فيه كل أخذ من بيت مال المسلمين، ويدخل فيه كل أخذ أو كل أثرة من مصالح المسلمين دون رضى الأمة بذلك.
روى الإمام أحمد رضوان الله عليه في مسنده: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فجاء فقال:"هذا لكم، وهذا أُهدي إلي"فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: (ما بال العامل! نبعثه على عمل، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي؟ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا، والذي نفس محمد بيده، لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة لها ثغاء، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟) قالها صلى الله عليه وسلم ثلاثا ً