فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 171

يجوز للإنسان الذي كرمه الله - سبحانه وتعالى - الاستسلام والخضوع لغير الله، وعبادة ما هو دونه تأثيرًا وأثرًا ومقاما [1] .

بيد أن المبدأ الإسلامي القائل بأن الدين اللاحق ينسخ الأديان السابقة له، لا يلقي قبولا لدي معتنقي أديان ما قبل الإسلام مثل اليهود والمسيحيين. ولكن في ضوء الحرية الدينية المكفولة في ظل الإسلام والمعترف بها حديثا في ظل القانون الدولي، فإن هذا الاختلاف في الرأي والأديان ينبغي ألا يشكل مصدرًا من مصادر الصراع بين الناس. ذلك لأن سجل التاريخ حافل بصراعات الطوائف الدينية، ومن ذلك صراع اليهود مع السيد المسيح - عليه السلام - لدرجة أنهم حاولوا صلبه حتى تختنق المسيحية في مهدها، ولا تقوم لها قائمة تنافسهم، رغم أن الواجب الديني اليهودي نفسه كان يحتم علي اليهود اعتناق الدين الجديد دون تردد، ثم كرر الإنسان نفس الخطأ حينما قام اليهود والمسيحيون بمحاربة محمد - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين من بعده، في حين كان عليهم الخضوع لله سبحانه وقبول ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - متناسين أن الدين هو هدي الله للإنسان لما فيه خيره وصلاحه في الدنيا والآخرة. فإذا برر الإنسان لنفسه حرب أخيه بسبب نزاع مادي، فبماذا يمكن أن يبرر قتاله ضد الهدي والنور والعدالة؟ وهل الرسول الذي جاء بهذه المباديء قد ادعاها لنفسه ليتسلط علي رقاب الناس، أم أنه أعلنها صراحة في الملأ بأنها رسالة الله (إله الجميع) ، وأنها موجهة لجميع الناس؟ إن أبسط حقوق الأنبياء هو السكوت عنهم وعدم التعرض لهم، وإخلاء سبيلهم في الدعوة، وترك الحرية لمن اقتنع بإتباعهم. أما ما دون ذلك من التعرض بالأذى لهؤلاء، فإنه يعني المناوشة والبدء بالحرب دون وجه حق، وعليه فقد أذن الله لأنبيائه والثلة الذين اتبعوهم بالدفاع عن أنفسهم وعن أموالهم وعما اعتقدوه في سبيل ممارستهم لحقهم في الحرية الدينية، فكان الجهاد والتضحية ضد المعتدين للرد علي سوء أفعالهم ولدفع العدوان.

(1) يحيي فرغلي، الإسلام واتجاهات الفكر المعاصر، القاهرة، دار الاعتصام، 1980، ص 11 - 31. وأنظر أيضا: ابن قيم الجوزية، الجواب الكافي، مصدر سابق، ص 249.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت