والمبدأ الأساسي هنا هو أنه يتعين علي الناس ألا يشركوا بالله أحدًا وأن يقبلوا رسله ويؤمنوا بهم، ويعملوا بما جاء به أولئك الرسل [1] .
يشير القرآن الكريم إلي أن العقاب يحق علي المشركين ليس فقط بسبب شركهم وعدم إيمانهم بل أيضًا بسبب عدم أتباعهم سبل الرشاد التي هيأها الله لهم، وذلك لأنهم لم يستعملوا عقولهم ولم يستخدموا بصائرهم لتدبر خلق الله، والذي لم يكن ليوجد لولا وجود الخالق، فلابد لكل شيء من صانع [2] . إن المباديء المشتركة (الأخلاقية والإلزامية) لكافة تلك الأديان مثل الإيمان بالله الواحد الأحد، والأمانة والاستقامة واحترام ممتلكات وأرواح الناس، بالإضافة إلي المغفرة والتسامح، تشكل حجر الزاوية والأساس اللازم للسمات الأخلاقية للناس، بيد أنها ليست مجرد مباديء تشير إلي مدي فاعلية الأديان كمؤشرات تهدي الإنسان في رحلته بحثًا عن العدالة والسعادة في الدارين (الدنيا والآخرة) ، بل إنها أيضًا تدل علي أن الأديان المقدسة الثلاثة علي الأقل (اليهودية والمسيحية والإسلام) جميعًا علي سبيل المثال، ذات نفس الأصل والمصدر [3] .
وانطلاقًا من هذه الخلاصة، يمكننا إدراك مدي احترام الإسلام (الدين الأخير) لكافة الأديان السالفة الذكر، لأنه (الإسلام) يعتبر نفسه جزءًا من وحدة إيمانية كبري، إلا أنه لا يعترف بالوثنية وإن كان لا يرغم الوثنيين علي الترك أو التخلي عما يسمونه ..."دينهم". وبالتالي، فإن من يهين نفسه بعبادة حجر أو شجرة أو حيوان، لا يمكن أن يلوم الآخرين لعدم احترامهم له. وبالإضافة إلي ذلك، فإن هذه مسألة منطقية وبدهية، إذ لا
(1) قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] .
وقال - سبحانه وتعالى: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفتح: 13، 14] .
(2) قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَانَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] .
(3) ابن قيم الجوزية، الجواب الكافي، القاهرة، المطبعة السلفية، 1987، ص 248 وما بعدها.