ولذلك فإن العقل البشرى لا يمكن أن يقبل أن ينتصر دائمًا السلاح الأضعف والقوة الأقل اللهم إلا أن يكون هناك عوامل أخرى كامنة في النفوس المسلمة هى التي تحملهم دائمًا وتبشرهم بالنصر: من حسن التوكل على الله، والصلة بالله، والإيمان به، والإخلاص لدينه .. وما هُزموا إلا بمعصية أو مخالفة ولم ينتصروا إلا بطاعة والقرآن الكريم يؤكد ذلك في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَايَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ { [آل عمران: 13] ، وقوله - سبحانه وتعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ { [الأنفال: 10] .
ثانيًا: أن المسلمين في بداية الدعوة وقع عليهم الاعتداء، ولم يترك المشركين سبيلًا لأذى المسلمين إلا سلكوه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يغذى أرواحهم بالقرآن، ويربى نفوسهم على الإيمان والصبر على الأذى والصفح الجميل وقهر النفوس مع أنهم أمة كما يقول أبو الحسن الندوى"رضعوا حب الحروب وكأنهم ولدوا مع السيف"ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقهر طبيعتهم الحربية ويكبح نخوتهم العربية ويقول لهم: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ { [النساء: 77] فكفوا أيديهم وتحملوا من قريش ما تسيل منه النفوس ألمًا في غير جبن ومن غير عجز.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يسلم من أذاهم حتى هموا بقتله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ { [الأنفال: 30] حتى بعد الهجرة إلى المدينة أخذوا يؤلبون عليه القبائل، غرورًا بقوتهم وإمكاناتهم حتى قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً { [فصلت: 15] فكان لابد من قوة ترهبهم، وتكف أذاهم، وترد اعتداءاتهم حتى لا يتحول الأمر إلى استسلام ومذلة وخضوع .. فكان القتال في صورة سلام في كنفه حرية الاعتقاد والفكر، ومنع الظلم، وفرض المساواة والعدل لكل الناس - مسلمهم وغير مسلمهم - ولذلك يقول - سبحانه وتعالى - بعد أن أمر بالقتال وعدم الاعتداء: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ