فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 171

وجهه الكريم إلى غيره لظهور شهادة طلعته المباركة بصدق لهجته وصفاء سريرته، هذا كله مع العلم بأنه نشأ بين قوم لا يعلمون علمًا ولا أدبًا، يرون الفخر ويتهالكون عليه، والإعجاب ويتغالون فيه معبوداتهم حظوظ النفس، لم يؤثر عنه أنه خرج عنهم إلى حبر من أهل الكتاب تردد إليه ولا حكيم عول عليه، بل استمر بين أظهرهم إلى أن ظهر بمظهر علم واسع وحكمة بالغة مع بقائه على أ ميته لا يقرأ ولا يكتب" [1] ."

والله تعالى قد حفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته، فشب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلؤه الله ويحفظه حتى صار أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقًا وأعظمهم حلمًا وأصدقهم حديثًا وأكرمهم جوارًا وأحفظهم أمانة، وأبعدهم من الغش في الأعمال والأقوال والأخلاق التي تندس الرجل تنزهًا وتكرمًا، وأعطاه الله - عز وجل - كل كمال بشري من الشجاعة والصدق وقوة الإرادة وشدة البأس وسعة الصدر وحدة الذهن وذكاء القلب والعقل وطلاقة اللسان وحلاوة المنطق فلم يلقب في قومه إلا بالصادق الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة، مع أن محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - كان قد عاش في مجتمع فيه النقائص والمعايب والتناقضات العقدية والأخلاقية إلا أن عصمة الله له ظاهرة جلية فلم يشارك في لهو قط ولم يسجد لصنم ألبته، بل إن الصدق والأمانة كانا هما العلم المرفوع من أعلام النبوة منذ يومها الأول، والذين أسلموا في أوائل العهد المكي لم يكن يدفعهم إلى الإيمان بهذا الدين الجديد إلا يقينهم الكامل بصدق صاحب الدعوة [2] .

ومن هذا الطريق أسلم هرقل ملك الروم بنبوة سيدنا - صلى الله عليه وسلم - حين سأل أبا سفيان عدة أسئلة عن أخلاقه وأتباعه وما يأمرهم به وما ينهاهم عنه، وبعد أن أجاب أبو سفيان بين لهم هرقل ما في أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - من وجه في الدلالة على نبوته فقال:"سألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا، فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتي بقول قيل قبله."

(1) كمال بن الهمام، مصدر سابق، ص 136: 139.

(2) محمد سيد أحمد المسير، النبوة المحمدية: دلائلها وخصائصها، القاهرة، دار الاعتصام، 2000، ص 29 - 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت