وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت رجل يطلب ملك أبيه.
وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليزر الكذب على الناس ويكذب على الله.
وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل.
وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم.
وسألتك أيرتد أحد سخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر.
وسألتك بم يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أنى أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه" [1] ."
وهكذا أدرك هرقل من قرائن أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - أنه صادق في دعواه لأن هذه الاستنتاجات العقلية منها صحيحًا في الاستدلال فهي قائمة على أساس تتبع أطوار حياته - صلى الله عليه وسلم - وملامح شخصيته ومن هنا قام عنده الدليل على صدق الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -.
ونرى أن أخلاق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفاته الشريفة وشمائله الطاهرة ضربًا من خوارق العادات، ونوع من أنواع المعجزات لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان المثل الأعلى والقدوة الصالحة في حلمه ووفائه وزهده وسخائه، وأمانته، وشجاعته وعفافه، وصادق صبره، وذكاء فهمه، وبارع حفظه، وقوله بجوامع الكلم إذا تكلم، ومراعاته لشرائط الصمت إذا صمت،
(1) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس.