5 -قتال البغاة بعد الصلح:
وهؤلاء قوم لهم تأويل في الخروج علي الإمام الواجب الطاعة، ولكن طاعة الإمام أولي لهم، وهو أولي بالحق منهم، والواجب أن يُدعَو إلي الصلح فإن بغوا بعد ذلك وجب قتلهم.
قال تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ} (9) الحجرات
وفى الصحيحين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَالَ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ وَرَكِبَ حِمَارًا وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ وَهِيَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِلَيْكَ عَنِّي فَوَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ قَالَ فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ قَالَ فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَبِالْأَيْدِي وَبِالنِّعَالِ قَالَ فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [1]
والطائفة الجماعة وهى أقل من الفرقة واختير (إن) دون (إذا) مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما لا ينبغى أن يقع إلا نادرا ولهذه النكتة بعينها قال طائفتان ولم يقل فرقتان تحقيقا للتقليل ولهذا اختير المضى في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبئ عن الاستمرار 0
واعلم أن الفئة الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلانا بحسب الظن لا القطع فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعًا وكذا الخوارج ولابد من أن يكون له شوكة وعَدد وعُدد يحتاج الإمام إلى دفعهم إلى كلفة ببذل مال أو إعداد رجال فإن كانوا أفراداَ يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغى 0
والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقة ولا كفرة لقوله تعالى (طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الحجرات: 9) والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال حكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة فرقة من أهل الفساد تأويلا وفعلت ما شاءت 0 [[2] ]
(1) - صحيح مسلم - (ج 9 / ص 284
(2) 1 - تفسير النيسابورى على هامش تفسير الطبرى - باختصار