طَاعَتَهُ وَمُتَابَعَتَهُ فَإِذَا تَمَسّكَ بِدِينِهِ بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ لَا يَكُونُ رِدّةً مِنْهُ وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الْحَبْرَيْنِ لَهُ وَقَدْ سَأَلَاهُ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ فَلَمّا أَجَابَهُمَا قَالَا: نَشْهَدُ أَنّك نَبِيّ قَالَ فَمَا يَمْنَعُكُمَا مِنْ اتّبَاعِي؟ قَالَا: نَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ وَلَمْ يُلْزِمْهُمَا بِذَلِكَ الْإِسْلَامَ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ شَهَادَةُ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ لَهُ بِأَنّهُ صَادِقٌ وَأَنّ دِينَهُ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيّةِ دِينًا وَلَمْ تُدْخِلْهُ هَذِهِ الشّهَادَةُ فِي الْإِسْلَامِ. وَمَنْ تَأَمّلَ مَا فِي السّيَرِ وَالْأَخْبَارِ الثّابِتَةِ مِنْ شَهَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالرّسَالَةِ وَأَنّهُ صَادِقٌ فَلَمْ تُدْخِلْهُمْ هَذِهِ الشّهَادَةُ فِي الْإِسْلَامِ عَلِمَ أَنّ الْإِسْلَامَ أَمْرٌ وَرَاءَ ذَلِكَ وَأَنّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَعْرِفَةَ فَقَطْ وَلَا الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ فَقَطْ بَلْ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ وَالِانْقِيَادُ وَالْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَدِينِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
ثم يقول 00 وَأَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنّ نَبِيّا يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزّمَانِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ وَلَا يَشُكّ عُلَمَاؤُهُمْ فِي أَنّهُ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَإِنّمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ الدّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ رِئَاسَتُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ وَخُضُوعُهُمْ لَهُمْ وَمَا يَنَالُونَهُ مِنْهُمْ مِنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ) [1] - ومن هنا كان هذا الإخبار لا يدل على التزام الإسلام كذلك من قال لا إله إلا الله مع بقائه على الشرك 0
وقال السدي: لما أسر العباس وَعقِيل ونَوْفَل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم َ لِلْعَبَّاسِ يَا عَبَّاسُ (افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَ أَخِيكَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ جَحْدَمٍ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ قَالَ فَأَبَى وَقَالَ إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا اسْتَكْرَهُونِي قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِشَأْنِكَ إِنْ يَكُ مَا تَدَّعِي حَقًّا فَاللَّهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ وَأَمَّا ظَاهِرُ أَمْرِكَ فَقَدْ كَانَ عَلَيْنَا فَافْدِ نَفْسَكَ) [2] وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ أُمِّهِ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ)
وما ذكره البخارى: عن جرير البجلى قال: (وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَا هُنَا فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَدَنَّ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ قَالَ فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ) [3] فلم يأمره بقول لا إله إلا الله قبل أن يكسر ما معه من أدوات الشرك التى يعمل بها، ثم أمره بعد كسرها بالشهادة حتى تكون دالة على التزام الإسلام وابتعاده عن الشرك - والقاعدة تقول لا عبرة بأقوال كذبتها الأفعال.
(1) زاد المعاد - (ج 3 / ص 557) ش
(2) مسند أحمد - (ج 7 / ص 173)
(3) صحيح البخاري - (ج 13 / ص 254) ش 2