سأل سفيان الثوري رجلًا يومًا كيف حبك لأبي بكر -رضي الله عنه-؟ فقال: شديد. قال سفيان: فكيف حبك لعمر.؟ قال: شديد. قال: فكيف حبك لعثمان؟ قال: شديد. قال: فكيف حبك لعلي؟ فقال الرجل: شديد - وأطال فيها - فقال سفيان: هذه الشديدة الأخيرة تحتاج إلى ضربة على رأسك لتعتدل.
قال العلماء: إن المحاب ترتيبها توقيفي لا ينبغي أن يعطى أحد منها فوق من هو أفضل منه فينبغي أن يحب المرء الصحابة أكثر مما يحب غيرهم ويحب الخلفاء الراشدين منهم أكثر مما يحبهم، ويحب أبا بكر أكثر من عمر، وعمر أكثر من عثمان، وعثمان أكثر من علي، وهكذا على حسب درجاتهم ومراتبهم ينبغي أن يترتب في القلب حبهم.
فينبغى أن يترأس حبهم في القلب على حب كل بشر سواهم أيًا كان هذا البشر، خلا الأنبياء، وأعلى من هذا وأغلى حب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأعلى وأغلى منه وأفضل وأكبر وأكثر حب الله تعالى فهو الحب الأول وكل شيء يحب لله إلا حب الله فهو يحب لذاته.
ولذلك كانت محبة الله هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلمَها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب فيالها من نعمة على المحبين سابغة، تالله لقد سبق القوم السعاة وهم على ظهور الفرش نائمون، وقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون.
من لي بمثل سيرك المدلل ... تمشي رويدا وتجي في الأول
أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم حي على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو
والرواح تالله لقد حمدوا عند الوصول سراهم وشكروا مولاهم على ما أعطاهم وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد ... حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا