إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فيا أيها الإخوة إن الله -تبارك وتعالى- هو المدبر لكل ما في الكون من عرشه إلى فرشه ومن سمائه إلى أرضه لا يخرج من ذلك شيء عن أمره ولا يصدر إلا بإذنه ولذلك وجب على كل إنسان أن يثق أنه لا يضره إلا ما جعل الله له فيه ضررًا ولا ينفعه إلا ما قدر الله له به نفعًا"واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد قدره الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" [1] هذه هي عقيدة المسلم الراسخة في ربه -عز وجل- وقدره.
لكن الشيطان الرجيم لا يفتأ يلقي في القلب من وسوسته ما يزعزع به هذه العقيدة أو يهزها حين يجد من الإيمان ضعفًا أو نقصانًا وقد يستجيب له القلب أو لا بحسب الإيمان فيه، ومن هذه الوساوس التي يجب أن تحذرها القلوب المؤمنة:"التطير"بالأشياء، فما هو التطير؟ وما حكمه؟ وما علاقته بالتوحيد؟ وما علاج التطير وطريقة التخلص منه؟
وفي هذا اللقاء بمشيئة الله تعالى نجيب عن هذه التساؤلات الكبيرة الخطيرة فأعيروني القلوب والأسماع -أيها الإخوة- والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا ممن أوتي بصيرة فصار له سراج يضيء له الظلمات حتى نصل إلى الأمن والأمان في الدنيا والآخرة، محفوظين بعين الله التي لا تنام، مكلوئين بكلئه الذي لا يرام ولا يضام.
أيها الإخوة ما هو التطير؟ التطير هو التشاؤم بالأشياء سواء كانت مشاهدة مرئية أو مسموعة أو معلومة ومن العلماء من قصره على التشاؤم بالطيور، فقد سُمِّيَ التشاؤم تطيرًا؛ لأنَّ العرب كانُوا في الجاهلية إذا خرج أحدُهم لأمرٍ قصد عش طائر فيهيجه، فإذا طار الطيرُ من جهة اليمين تيمن به ومضى في الأمر، ويسمون هذا الطائر في هذه الحالة: (السانح) . أما إذا طار جهة يسار الإنسان تشاءم به، ورجع عما عزم عليه، وكانوا يسمون الطير في هذه الحالة: (البارح) .
وهذا وإن كان أصل التطير إلا أنه ليس قاصرا عليه اليوم، فالصحيح أنه يعم كل ما يتشاءم منه من الطيور والألفاظ والأماكن وغيرها.
(1) أخرجه الترمذي 2326، وقال: حديث حسن صحيح. والحديث ورد بألفاظ متعددة وقد صححه الألباني، انظر صحيح الجامع الصغير (2/ 1318) برقم (7957) .