إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وصلِّ يا رب على خير الورى *** ما صدحت قُمْرية على الذرى
والآل والأزواج والأصحاب *** والتابعين من أولي الألباب
أما بعد، فيا أيها الإخوة!
فحياة المسلم جميعها قائمة على التوازن فلا إفراط ولا تفريط ولا شطط ولا غلو وإنما التوسط والاعتدال، وأول هذا علاقته بربه -سبحانه وتعالى- فهي قائمة على الوسطية فالمسلم لا يأمن ويركن إلى الرجاء ويترك الجد والعمل لنيل الأجر والثواب، ولا يقنط ويركن إلى اليأس من روح الله ورحمته فيترك العمل، وإنما هو وسط بين هذا وهذا ولذلك لما بحث العلماء قضية الخوف والرجاء وكيف يجمع العبد بينهما؟ منهم من قال يركن إلى الخوف في وقت وسوسة النفس الأمارة بالسوء ويركن إلى الرجاء في وقت المرض والمصائب، ومنهم من قال: يركن إلى الخوف دائمًا، ومنهم من قال يركن إلى الرجاء دائمًا والأول هو الصحيح اللائق المقبول فلابد للعبد من الجمع بين الخوف والرجاء والمحبة نعم فهذه الأركان الثلاثة هي طريق الوصول إلى رضا الله وطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والفوز بجنة الله تعالى، لأن عبادة الله بالخوف وحده طريقة الخوارج؛ فهم لا يجمعون إليه الحب والرجاء؛ ولهذا لا يجدون للعبادة لذة، ولا إليها رغبة، فيجعلون الخالق بمنزلة سلطان جائر، وهذا يورث اليأس والقنوط من رحمة الله، وغايته إساءة الظن بالله، والكفر به سبحانه.
وعبادة الله بالرجاء وحده طريقة المرجئة الذين وقعوا في الغرور والأماني الباطلة، وترك العمل الصالح، وغايته الخروج من الملة.
وعبادة الله بالحب وحده طريقة غلاة الصوفية الذين يقولون: نعبد الله لا خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته وإنما حبًا لذاته.
وهذه طريقة فاسدة، ولها آثار وخيمة، منها الأمن من مكر الله، وغايته الزندقة، والخروج من الدين، ولهذا رأيناهم يخترعون ما أسموه برفع التكاليف فلا يصلون ولا يتعبدون بحجة أنهم وصلوا إلى حد اليقين، وكذبوا فإن سيد الموقنين صلى الله عليه وسلم عبد ربه حتى آخر لحظة من حياته إلى أن لحق بالرفيق الأعلى فهذه طريقة نبيهم ما لهم عنها يرغبون؟ إلا إن كان لهم نبي آخر.