إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فيا أيها الإخوة إن الله -عز وجل- هو صاحب الخلق فكل صانع قد صنع الذى صنع بتوفيقه، فإليه تعالى يرجع فضل ما صنعت يداه، كما قال ربنا:"فتبارك الله أحسن الخالقين".
وهو سبحانه كذلك صاحب الأمر فكل أمر فلابد أن ترجع طاعته إلى طاعة الله فإن كانت توافقها مضى المأمور فيها، وإن كانت تخالفها فلا طاعة أبدًا لمخلوق في معصية الخالق أيا كان ذلكم المخلوق من عظيم أو حقير، أو ملك أو فقير، أو عالم أو جاهل، كما قال سبحانه:"وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"فأفرد طاعته وأفرد طاعة رسوله ثم تحدث عن أولي الأمر دون أن يفرد لهم طاعة، لماذا؟
إشارة إلى أن طاعتهم ليست مستقلة، وإنما هى تعود إلى طاعة الله وطاعة رسوله فإنهم إن أمروا بما وافق طاعة الله ورسوله أطيعوا، وإلا فلا يطاعون، لكن -أيها الإخوة- من هم أولو الأمر في هذه الآية؟ وما حكم طاعتهم؟ وما هي أقسامها؟
فانتبهوا -أيها الإخوة- يرحمكم الله فإن هذا الموضوع زلت بسببه أقدام، وضاعت في متاهته أفهام، وورثت الأمة بسبب جهله الأمراض والأسقام، ولا حول ولا قوة إلا بالله الملك العزيز العلام، -أيها الإخوة-! من هم أولو الأمر؟ والجواب: أولو الأمر هم العلماء والأمراء، فالعلماء والخطباء والدعاة والوعاظ، والأمراء والرؤساء والملوك والحكام هؤلاء جميعًا هم أولوا الأمر الواجب طاعتهم كما أمرنا الله -تبارك وتعالى- في الآية السابقة، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - آمرًا بذلك في غير ما حديث منه ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة ذرفت منها الدموع ووجلت منها القلوب فقلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وعليكم بالطاعة وإن عبدًا حبشيًًّا فإنما المؤمن كالجمل الآنف حيثما قيد انقاد". [1] "
(1) أخرجه ابن ماجه (43) و أحمد (4/ 126) ، وصححه الألباني:"السلسلة الصحيحة"2/ 648.