إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فيا أيها الإخوة!
إن الله -تبارك وتعالى- لما أراد خلق الخلق سوّى الأرض وعدّلها وكمّلها وجعل فيها أقواتها وقدرلها ما به تؤدي وتؤدى عليها الوظيفة التي خلقت من أجلها، وتمت نعمة ربنا على هذه الأرض كاملة يوم بارك فيها سبحانه ببركته التي ليس لها حد ولا منتهى، تلك البركة التي لا يستطيع شيئ من الخلق المعيشة بدونها ولو لحظة أو أقل من ذلك والتي سيظل الخلق بأسرهم يفتقرون إليها ويتمتعون بها إلى أن تزول الأرض ويفنى من عليها وإلى الله ربهم يرجعون ولكن صنفًا من الخلق لا يدركون شيئًا من ذلك كله يحسبون أن الكون خلق صدفة وأنهم أوجدوا عبثًا وهملًا، قال الله -تعالى- موبخًا ومنكرًا على الكافرين الذين جحدوا نعمة الله وفضله عليهم وكفروا برسله لما جاءتهم:"قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) " [فصلت: 9 - 11] .
أيها الإخوة! ومن هذه البركة التي وضعها الله -تعالى- في الأرض أن جعل في كل سبب تقوم به الحياة خاصيته التي بها تتأدى وظيفته، فالماء مثلًا خاصيته الإرواء، والنار خاصيتها الإنضاج والإحراق، والأكل خاصيته الإشباع وهكذا، وهذه ينتفع بها المؤمن وغيره.
ولكن الله سبحانه قد جعل في أشياء خاصة بركة من لدنه زائدة عن الحد الذي به تتأدى وظيفة مثله. تشريفًا وتكريمًا خاصًّا لا يحصل إلا لأهل الإيمان به -عز وجل-.
كما وضع الله في ماء زمزم البركة في أن يشبع من جوع وليست هذه صفة مثله من الماء، وجعله كذلك يداوي من الأمراض ويشفى من الأدواء وليست هذه كذلك صفة مثله.
وكما جعل الله في الكعبة المعظمة زادها الله تعظيمًا وتشريفًا بركة خاصة ليست لما سواها من الأشياء من حجر أو غيره.
وكذلك ما في الحجر الأسود الأسعد، وكذلك ما في ريق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيرها وغيرها الكثير مما وهب الله من بركته.