هذه هبة الله في بعض خلقه، بينما سلب الله -تعالى- أشياء البركة والمنفعة معًا فجعلها تضر ولا تنفع وتؤذي ولا تجلب خيرًا، وهكذا تنوعت مخلوقات الله حسب مشيئته -سبحانه وتعالى- وأمره وإرادته ومحبته وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمر يتعلق تعلقًا كاملًا بالمشيئة الإلهية ويرجع إلى الله في كل جزئياته، ومعنى ذلك أن طلب نفع الأشياء والتماس بركتها لا يكون إلا بحسب الشرع الكريم من طريقيه المعروفين القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على صاحبها أزكى الصلاة وأتم التسليم والسؤال -أيها الإخوة- فهل امتثل العباد ذلك؟ وهل بحث الناس في ذلك أصلًا ليستمسكوا به؟ هذا ما تجيب عليه الدقائق القريبة التالية ونحن نناقش في هذه اللحظة قضية من أخطر القضايا ألا وهي التبرك، وقد اعتدنا أن نؤصل ولا نشتت وأن نفصل ولا نجمل وأن نستدل عن الله -تبارك وتعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا نلقى الكلام جزافًا لذا فأعيروني -أيها الإخوة- الأسماع والقلوب وسأركز الحديث في العنصرين التاليين فقط:
أولًا: التبرك تعريفه وأقسامه.
ثانيًا: الأسباب الشرعية لنزول البركة.
أيها الإخوة! التبرك هو طلب البركة بواسطة يلزمها العبد رغبة في حصول الخير ونزوله من الله -تعالى- ولابد أن نؤصل مما سبق أن قدمنا قاعدة تستمر معنا إلى آخر لقائنا هذا وهي أن البركة إنما هي من الله -تبارك وتعالى- وحده، لأنه هو مالكها وواهبها، فمن أراد البركة فليطلبها منه -عز وجل-، فمن آمن بهذا فليلتزم ما دل الدليل على أنه مبارك وليجتنب ما ليس كذلك، فإن الأول ينفعه والثاني يضره.
وهذا يدفعنا إلى بيان أقسام التبرك وهو ينقسم إلى: تبرك مشروع وتبرك ممنوع.
أما التبرك المشروع: فهو مثل التبرك بأفعاله -صلى الله عليه وسلم- وبذاته المشرفة وبآثاره الحسية المنفصلة عنه كما كان يفعل ذلك أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- به ولا ينكر عليهم ذلك، روى ابن إسحاق أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عدل الصفوف في يوم بدر وفي يده قدح فمر بسواد بن غزية فطعن في بطنه فقال: أوجعتني يا رسول الله فأقدني أي اجعلني أقتص منك فكشف عن بطنه فاعتنق سواد بطن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقبله فدعا له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخير، وقال: مالك؟
قال: قد حضر ما رأيت -أي القتال- فإن أقتل أحب أن يكون آخرَُ ما مس جلدي جلدَُك فيحرمني الله على النار [1] وكما أخذ الصحابي من النبي الشملة لتكون كفنه في قبره يكفن فيها والحديث أخرجه ابن ماجه بسند
(1) أخرجه ابن إسحاق في"السيرة" (2/ 266 - سيرة ابن هشام) ومن طريقه أبو نعيم في"معرفة الصحابة"
(ق 303/ 1) و ابن الأثير في"أسد الغابة" (2/ 332) وحسنه الألباني في"الصحيحة"6/ 808.