إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فيا -أيها الإخوة- تحدثنا في اللقاء السابق عن السحر وخطره وحكم الشرع فيه وعن إتيان السحرة وحرمته سواء كان ذلك تصديقًا لهم أو حب استطلاع وقد طرحنا في اللقاء الماضي سؤالًا ضاق الوقت عن الجواب عنه ألا وهو: كيف نحمي أنفسنا من السحر قبل وقوعه؟ وكيف نعالجه لو وقع؟ واليوم بمشيئة الله تعالى نجيب عن هذا السؤال، فأعيروني القلوب والأسماع -أيها الإخوة-، والله أسأل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أيها الإخوة! إن الذي يقدر الخير والشر هو الله والذي ينزل الإيمان والكفر والطاعة والمعصية وكل شيء هو الله -سبحانه وتعالى- كما قال تعالى:"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) " [القمر: 49] .
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أُمِّ سَلَمَةَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استيقظ ذات ليلة فقال:"سبحان الله! ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ وماذا أنزل الله تعالى من الفتن؟ أيقظوا صواحب الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" [1] فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى هو الذي أنزل الفتن على الخلق.
لكن من حسن الأدب في الحديث عن الله -عز وجل- أن لا ينسب الشر إليه كما حكى القرآن ذلك في أكثر من موضع عن خيرة الخلق من الأنبياء والصالحين قال الله -عز وجل- عن نبيه الخضر عليه السلام في تفسير الثلاث التي حدثت في رحلته مع موسى عليه السلام"أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) ".
فهذه ثلاث، قال الخضر في الأولى وهو خرق السفينة فأردت أن أعيبها فلما كان ظاهره الشر نسب الفعل إلى نفسه فقال فاردت لكنه لما تكلم عن الخير لليتيمين في هدم الجدار وبنائه قال فأراد ربك أن يبلغا.
وهكذا نسب الشر إلى نفسه ونسب الخير إلى ربه كما حكى القرآن ذلك أيضًا على ألسنة الجن الذين أنصتوا للقرآن فأسلموا وآمنوا فتساءلوا:"وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) " [الجن: 10] .
(1) أخرجه البخاري 115.