ولذلك كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثنائه على ربه:"والشر ليس إليك" [1] وهكذا -أيها الإخوة- فالله -عز وجل- هو خالق الخير والشر على الحقيقة وهو منزلهما ومن هذا الباب أنزل الله -عز وجل- السحر إلى الأرض كما أنزل المعاصي والشرور والكفر والفجور وله في خلقه -عز وجل- الحكمة وله في خلقه شئون وأمور.
قال عز من قائل:"وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ [البقرة: 102] "فالنص القرآني هنا صريح في أن الله -عز وجل- أنزل السحر على الملكين ببابل فتنة واختبارًا وابتلاءً ولله أن يختبر عباده بما شاء وقد خلق الحق جل جلاله إبليس الذي هو أصل كل الشرور، ونهى العباد عن متابعته وحذر منه، واختبر الحق جيش طالوت بعدم الشرب من النهر.
فإذا سأل سائل ما هي الحكمة التي في تعليم الملكين السحر للناس فنقول: كفى أولًا بورود النص على أنه فعله سبحانه فثم كل حكمة، لأنه من الحكيم جل جلاله الذي شأن عمله كله الحكمة.
ونقول ثانيًا: لعل الحكمة من وراء هذا الاختبار والله أعلم تنبيه الناس في ذلك الزمان إلى أن السحر ليس بالشيء العظيم الذي لا يناله إلا الخاصة وأصحاب العقول كما كان كثير من الناس يظن ذلك فأقام الله -عز وجل- الملكين يعلمان الناس السحر ويقولان لهم كل واحد يستطيع أن يكون ساحرًا ولكننا نحذركم من السحر، فإن السحر كفر يجلب غضب الله، وهذا أخف حالا بلاشك من أن يعتقد الناس في هؤلاء أنهم آلهة أو أرباب جهلًا منهم بحالهم وحقيقتهم، فجاءت الحكمة في أن يعرفوا الناس حقيقة أمرهم وأنهم ليسوا كذلك وإنما هم يقومون بهذه الأشياء عن طريق السحر والاتفاق مع الشياطين، وليعلم -أيها الإخوة- مع ذلك أن الملكين ليسا بعاصيين في حال تعليمهما الناس السحر بل هما مطيعان لله، لأنهما مكلفان بهذا من الله تعالى ابتلاءً واختبارًا من الله لعباده [2] .
قال العلامة الألوسي: وهذان الملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس فمن تعلم وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن قوم طالوت بالنهر [3] .
وأنبه -أيها الإخوة- إلى أمر خطير وهو أن الأخبار التي وردت في هذا السياق من قصص وحكايات والتى تفيد عصيان الملكين، أو أنهما افتتنا بامرأة جميلة، أو أن نزولهما أصلًا إلى الأرض كان بسبب الاعتراض على خلق آدم فهذا كله من كذب اليهود على ملائكة الله ورسله وقد نقل ذلك العلماء وسطروه في كتبهم وعرفوا بكذبه وحذروا منه
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (771) .
(2) عالم السحر والشعوذة للأشقر ص 245.
(3) روح المعانى للآلوسى (1/ 340) .