إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فيا أيها الإخوة!
إن أولى ما أنفقت فيه الأعمار، ووصل في سبيل تعلمه الليل بالنهار، لهو الاعتقاد الصحيح في العلي الغفار، على ما أخبر به النبي المختار، واعتقده الصحابة الأبرار، ومن تبعهم من السلف الصالح الأخيار، فهو الاعتقاد الصحيح الذي يجب أن ينثني عليه قلب المسلم وينطوي عليه صدره لا ما اخترع أهل البدع والأهواء بآرائهم وعقولهم وإن كانت هذه الطريقة الأخيرة هي المنتشرة المشهورة حتى زعم الزاعمون أنها عقيدة أهل السنة والجماعة والتي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإحسان وهي التي عُلَّمها النبي صلى الله علية وسلم وعنه أخذت هكذا زعموا زورًا وبهتانًا فكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون -والله- إلا كذبًا.
ومن مسائل العقيدة المهمة التي غاب عن كثير جدًّا من المسلمين العلم بأحكامها واضطربوا اضطرابًا كبيرًا، واختلفوا اختلافًا عظيمًا في شأنها، بين محلل ومحرم، ومغال ومتساهل، مسألة التوسل وقد بينا أن التوسل المشروع هو التوسل بأسماء الله وصفاته، والتوسل بالأعمال الصالحة، والتوسل بدعاء الصالحين الأحياء، وقد قامت الأدلة من الكتاب والسنة على جواز بل استحباب هذا النوع من التوسل فهو المشروع وأما ما سواه فممنوع، وقد اعتاد جمهور المسلمين منذ قرون طويلة أن يقولوا في دعائهم مثلًا:"اللهم بحق نبيك أو بجاهه أو بقدره عندك عافني واعف عني"، وأن يقولوا:"اللهم إني أسألك بحق البيت الحرام أن تغفر لي"، ويقولوا:"اللهم بجاه الأولياء والصالحين، ويقولوا: اللهم اغفر لنا وارحمنا بحرمة وبركة صاحب هذا المقام، مثل فلان وفلان"، أو يقولوا:"اللهم بكرامة رجال الله عندك، وبجاه من نحن في حضرته، وتحت مدده فرج الهم عنا وعن المهمومين"ويقولوا:"اللهم إنا قد بسطنا إليك أكف الضراعة، متوسلين إليك بصاحب الوسيلة والشفاعة أن تنصر الإسلام والمسلمين .. بل اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة، أو ألمت بهم ملمة، أن يقرأوا ورد"يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله""الخ ما نعرفه ونسمعه من هذه الكلمات والدعوات.
ويسمون هذا توسلًا، ويدَّعون أنه سائغ ومشروع، وأنه قد ورد فيه بعض الآيات والأحاديث التي تقره وتشرعه، بل تأمر به وتحض عليه، وبعضهم غلا في إباحة هذا حتى أجاز التوسل إلى الله -تعالى- ببعض مخلوقاته التي لم تبلغ من المكانة ما يؤهلها لرفعة الشأن، كقبور الأولياء، والحديد المبني على أضرحتهم، والتراب والحجارة والشجر القريبة منها، زاعمين أن ما جاور العظيم فهو عظيم، وأن إكرام الله لساكن القبر يتعدى إلى القبر نفسه .... إلى آخر هذه