إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فيا أيها الإخوة!
إن من توحيد الله -تبارك وتعالى- الواجب على كل مسلم ومسلمة الاعتراف لله بتفرده بجلب النعم ودفع النقم وإضافتها إليه وحده سبحانه معبرين عن ذلك بأقوالنا وأفعالنا وجميع أحوالنا.
نعم .. فنعترف ابتداءً بنعمه -عز وجل- علينا، ثم نستعين بها على طاعته وعبادته، فلا يتم توحيد العبد إلا إذا اعترف لله -عز وجل- بنعمه عليه ظاهرة وباطنة واستعان بتلك النعم على عبادته وشكره، وعلى قدر إحساس العبد بهذه النعم تكون معرفته بقدر ربه -عز وجل- وعظمته ومعرفته به ومحبته، ولعل هذا هو السر الذي لأجله يذكرنا القرآن الكريم على الدوام بهذه الحقيقة ولنتأمل بعض الآيات في القرآن الكريم بخصوص هذا المعنى. فمن ذلك قوله جل شأنه:"الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار"فتأمل كم مرة تكررت هذه الكلمة:"لكم"وضمير المخاطبين"كم"وكان في ذكرها مرة واحدة غناء عن إعادتها لو كانت لمجرد التعريف بأن ذلك من أجلنا فحسب ولكن من تأمل وتدبر أحس وراء ذلك التكرار معنى آخر وهو إرادة الهيمنة على ذلك القلب أن يسكنه صاحب تلك النعم وفقط وأن يشغل الإنسان بهذا المعنى دائمًا وأن يمعن التأمل والتدبر فيه، وفي بعض الآثار:"أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه". [1]
لكن -أيها الإخوة- وكما وضحت الآيات السابقة:"إن الإنسان لظلوم كفار"فكثير من خلق الله تعالى يأكل خيره ويشكر غيره، رزق الله -عز وجل- إليه نازل وشره وسيئاته وعمله القبيح إلى الله صاعد، يتحبب الله تعالى إلى هذا الصنف بالنعم وهو تعالى الغني عنهم ويتبغضون هم إليه بالمعاصي وهم أحوج شيء لديه، فيا له من إله عظيم كبير غفور رحيم حليم، ما أحلمه سبحانه وما أصبره أن يكون كل ما في الكون من خيره وينسب إلى غيره، ولا يزال ينعم عليهم لم يقطع أفضاله عنهم، وعلى ذلك أمثلة عديدة.
(1) أخرجه الترمذي (3789) ، وضعفه الألباني في تخريج فقه السيرة (23) ، ضعيف الجامع الصغير (176) .