أيها الإخوة .. ومن أظهر هذه النعم التي ينعم الله بها على عباده وبها يكفرون هذا الرزق الذي يأتي الله به كسبب للحياة بأسرها. نعم .. المطر الذي سماه الله -عز وجل- رزقًا، فقال تعالى:"بسم الله الرحمن الرحيم حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السموات وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) [الجاثية/1 - 7] "
قال الحافظ ابن كثير: يرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات والأرض وما فيها من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران هذا بظلاله وهذا بضيائه، وما أنزل الله تعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه وسماه رزقًا، لأن به يحصل الرزق قال تعالى:"فأحيا به الأرض بعد موتها"أي بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء. [1]
فسبحان ربي! نعم تحيا الأرض كلها كما قال -عز وجل-:"وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج"إنها تحيا بعد موات! وقد جاءت هذه الآية في موقع عجيب من الكتاب المجيد فهي تحتل ختام آية ترتيب الخلق يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) [الحج: 5]
أرأيت حبيبي إلى رجل وامرأة لم يرزقا الولد كيف تكون حياتهما؟ وكيف يكون شوقهما إلى الولد؟ وكيف ترى ذبول الزوج والزوجة وبؤسهما؟ ثم كيف ترى لو أن الله أذن لهذه الأسرة المحرومة بالسرور؟ ما الذي يحدث؟ لو أن الله أنعم عليها بنعمة الولد؟ كيف لو أعطياه؟ أما ترى إلى سعادتهما؟ أما ترى إلى سرورهما؟ ألم تر إلى ابتهاجهما وإقبالهما على الحياة واستعادة آمالهما فيها وأحلامهما كيف تتجدد؟ كذلك حبيبي الأرض إذا احتاجت إلى الماء في عطشها، ثم إذا نزل المطر تحيا الأرض وتسقى البلاد والعباد وتطيب الأحوال جميعها، فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
عن أنس -رضي الله عنه- قال: (أصاب الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر قائمًا في يوم الجمعة قام وفي رواية: دخل أعرابي من أهل البدو من باب كان وجاه المنبر نحو
(1) تفسير ابن كثير - (7/ 264) .