إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
إلهي ماذا فقد من كان معك؟ وماذا وجد من فقد قربك؟! فبك الغنية عن كل أحد، وليس غنية أبدًا عنك، فليتك ترضى وإن غضب الناس، وليت الذي بيني وبينك عامر وإن خرب ما بيني وبين كل الناس.
فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
وليت شرابي من ودادك صافيًا ... وشربي من ماء العين سراب
إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
إخواني! تأهبوا ليومٍ تترادف فيه العَبَرات، وتعظم الحَسَرات، فَيعضُ الظالم على يديه ويقول: يا حسرتا يوم يقول لك أين من أرضيتَ عنك بغضبي عليك، ابن آدم أين من كنتَ تَزَيَّنْتَ له وبالقبيح بارزتني، ما هذا التذلل بين يديّ وقد كنت جبّارًا عنيداَ، طالما ذُكرْتَ بموقفكَ هذا فتناسيتَ، وطالما بُصِّرْتَ بأمركَ هذا فتعاميتَ، ولم تزدد إلاّ فراراَ، يا حسرةَ العاصين، يا ذُلّ مقام المتجبرين، واخيبة المضطرين، واخسارة المُسرِفينْ. [1]
أما بعد فيا -أيها الإخوة- إن الله -تبارك وتعالى- عزيز ومن عزته أن لا يقبل شريكًا في عمل من عمل له فأشرك في إرادته وقصد غيره معه، فلا يقبل -عز وجل- من العمل إلا ما كان خالصًا يبتغي به وجهه وحده فحينئذ يقبل ويؤجر ويثيب، بهذا أمر الله عباده وبهذا أعلمهم قال تعالى:"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء"ولذا شن الوحي المبارك قرآنا وسنة حربًا لا هوادة فيها على الرياء وأهله معلنًا بوسائل شتى أن هؤلاء ليس لهم خلاق ولا نصيب في الآخرة بل هم عاملون ناصبون كادحون في الدنيا خاسرون بائرون في الآخرة، لأنهم لا يجدون في ساح القيامة من أعمالهم التي عملوها لغير الله إلا ما يجده الذي يحرث في البحر، يجد البحر كما هو ولا أثر لحرثه ولا سعيه.
ولذلك وجب على كل عبد أن يتعلم الإخلاص ويتعرف على الرياء فيقصد إلى الأول"الإخلاص"ويحافظ عليه ويجتنب الثاني"الرياء"ويحذره.
(1) المنثور (ص 4) ، لابن الجوزي.