فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 675

إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السموات والأرض وتصله بقوة الله. وتيئسه من مظنة كل رحمة في السموات والأرض وتصله برحمة الله. وتوصد أمامه كل باب في السموات والأرض وتفتح أمامه باب الله. وتغلق في وجهه كل طريق في السموات والأرض وتشرع له طريقه إلى الله.

ورحمة الله تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد؛ ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها في ذات نفسه وتكوينه، وتكريمه بما كرمه؛ وفيما سخر له من حوله ومن فوقه ومن تحته؛ وفيما أنعم به عليه مما يعلمه ومما لا يعلمه وهو كثير.

ورحمة الله تتمثل في الممنوع تمثلها في الممنوح. ويجدها من يفتحها الله له في كل شيء، وفي كل وضع وفي كل حال، وفي كل مكان .. يجدها في نفسه، في مشاعره؛ ويجدها فيما حوله، وحيثما كان وكيفما كان. ولو فقد كل شيء مما يَعُد الناس فقده هو الحرمان .. ويفتقدها من يمسكها الله عنه في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حالة، وفي كل مكان. ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان!

وما من نعمة - يمسك الله معها رحمته - حتى تنقلب هي بذاتها نقمة. وما من محنة - تحفها رحمة الله - حتى تكون هي بذاتها نعمة .. ينام الإنسان على الشوك - مع رحمة الله - فإذا هو مهاد. وينام على الحرير- وقد أُمسكت عنه - فإذا هو شوك القتاد. ويعالج أعسر الأمور - برحمة الله - فإذا هي هوادة ويسر.

ويعالج أيسر الأمور - وقد تخلت رحمة الله - فإذا هي مشقة وعسر. ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي هوادة ويسر وسلام. ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار!

ولا ضيق مع رحمة الله. إنما الضيق في إمساكها دون سواه. لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن، أو جحيم العذاب أو في شعاب الهلاك. ولا سعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم، وفي مراتع الرخاء. فمن داخل النفس برحمة الله تتفجَّر ينابيع السعادة والرضا والطمأنينة. ومن داخل النفس مع إمساكها تدب عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة!

هذا الباب وحده يُفتح وتُغلق جميع الأبواب، وتوصد جميع النوافذ، وتسد جميع المسالك .. فلا عليك فهو الفرج والفسحة واليسر والرخاء .. وهذا الباب وحده يغلق وتفتح جميع الأبواب والنوافذ والمسالك فما هو بنافع. وهو الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت