فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 675

يتعقبونهما ويقصون الآثار .. ووجدها كل من آوى إليها يأسًا من كل ما سواها. منقطعًا عن كل شبهة في قوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصدًا باب الله وحده دون الأبواب.

ثم إنه متى فتح الله أبواب رحمته فلا ممسك لها. ومتى أمسكها فلا مرسل لها. ومن ثم فلا مخافة من أحد ولا رجاء في أحد. ولا مخافة من شيء، ولا رجاء في شيء، ولا خوف من فوت وسيلة، ولا رجاء مع الوسيلة إنما هي مشيئة الله. ما يفتح الله فلا ممسك. وما يمسك الله فلا مرسل، والأمر مباشرة إلى الله .. {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .. يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك. ويرسل ويمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك وما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرة منه، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام. [1]

أيها الإخوة!"إنها دعوة حرّى لليقين بأن الله -عز وجل- هو مسبب الأسباب ومقدر الأقدار وهو المعطي المانع الضار النافع لا مضادة لأمره ولا معقب لحكمه ولا محادة لقضائه يفعل ما يشاء ويختار، وحين يتم هذا اليقين في قلب فلا يمكن أبدًا في لحظة من اللحظات أن ينسب نعم الله إلى من سواه الذين لا يعدون أيضا أن يكونوا من خلق الله. [2] "

أيها الإخوة! إن نعم الله على الناس واضحة بينة، يرونها ويحسونها ويلمسونها، ولكنهم ينسون فلا يذكرون.

وحولهم السماء والأرض تفيضان عليهم بالنعم، وتفيضان عليهم بالرزق؛ وفي كل خطوة، وفي كل لحظة فيض ينسكب من خيرات الله ونعمه من السماء والأرض. يفيضها الخالق على خلقه. فهل من خالق غيره يرزقهم بما في أيديهم من هذا الفيض العميم؟ وجواب المسلمين والكافرين عن هذا السؤال معروف وهو: لا، لا خالق إلا الله، فإذا لم يكن هناك خالق رازق غير الله، فما لهم لا يذكرون ولا يشكرون؟ وما لهم ينصرفون عن حمد الله والتوجه إليه وحده بالحمد والابتهال؟ إنه {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} فكيف يصرفون عن الإيمان بهذا الحق الذي لا مراء فيه .. {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟} .. وإنه لعجيب أن ينصرف منصرف عن مثل هذا الحق، الذي يواجههم به ما بين أيديهم من الرزق. وإنه لعجيب أن ينصرف عن حمد الله وشكره من لا يجد مفرًّا من الاعتراف بذلك الحق المبين" [3]

ومن الناس -أيها الإخوة- من يرزقه الله -عز وجل- النعمة فيجعلها من نتيجة عمله وعاقبة جده وسعيه وينظر إلى نفسه باستحقاقها وأهليتها له.

(1) في ظلال القرآن - (5/ 2923) .

(2) عون العلي الحميد (2/ 229) .

(3) الظلال (5/ 2921) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت