والجواب: اعلم - هداني الله وإياك - أن الله يقبل التوبة عن عبده وإن كان مشركا أو مرتدا عن الإسلام بل كما أخبر النبي أن الله يفرح بتوبة العبد، فمن رحمته تعالى أن فتح باب التوبة لكل العصاة ويقبلهم إذا عادوا إليه وأنابوا جاء في بعض الإسرائيليات صحيحة المعنى أن شابًّا من بني إسرائيل أطاع الله تعالى عشرين سنة ثم انتكس فعصى مثلها ويوما من الأيام رأى صورته في المرآة فرأى الشيب غزا شعره وأمارات العجز قد بدت في وجهه فصاح بلسان وجده: إلهي وخالقي أطعتك عشرين سنة، ثم عصيتك عشرين مثلها أفإن تبت اليوم تقبلني؟ فسمع هاتفًا يقول: أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، ولو عدت إلينا ثانية قبلناك وما رددناك.
فالله تعالى يقبل على من أقبل عليه ويتوب على من تاب إليه وذلك بشروط التوبة المعروفة ونوجزها فيما يلي:
-أولًا: الإخلاص لله بالتوبة بحيث يكون الحامل عليها تقوى الله، والخوف من عقابه، ورجاء ثوابه لا رياء ولا خوفا من مخلوق ولا لينال أمرًا من أمور الدنيا.
-ثانيًا: الندم بحيث يجد في نفسه حسرة وحزنًا على ما مضى.
-ثالثًا: الإقلاع عن الذنب وعدم الإصرار عليه فإن كان الذنب بترك واجب فعله وإن كان بإتيان محرم أقلع عنه، وفي مسألتنا هنا هي الإقلاع عن سب الله ورسوله ودينه والاستهزاء بشئ من ذلك، وإعلان البراءة التامة منه في الأماكن التي ردد وسمع وأعلن فيها بالاستهزاء والكلام السيء في حق دين رب الأرض والسماء.
-رابعًا: العزم على عدم العودة إلى سب الله ورسوله ودينه في المستقبل.
-خامسًا: أن تكون التوبة قبل الموت. [1]
فمن تاب إلى الله - وحقق هذه الشروط - تاب الله عليه واقرأ معي الآيات: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) وقال عِكْرِمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم، إني أسمع آية أنا أعنَى بها، تقشعر منها الجلود، وتجب منها القلوب، اللهم، فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسّلت، أنا كفنت، أنا دفنت، قال قتادة: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره. [2]
(1) تحذير المسلمين من السب والاستهزاء بالدين - (ص/ 46) أبو عبدالرحمن المصريُّ.
(2) تفسير الطبري - (14/ 334) ، تفسير ابن كثير - (4/ 172) .