فهرس الكتاب
وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوله المعطلون فيها.
وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل.
فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه -تبارك وتعالى-. وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني والله المستعان. [1]
أيها الإخوة ومن معاني اسم الله السلام: أنه هو المسلم لعباده من الآفات والبليات، ولذلك لا يقال السلام على الله لأن هذا دعاء والله الغني عن العباد وليس بحاجة سبحانه إلى دعاء الناس فالعباد لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، بل هم الفقراء إليه، المحتاجون إليه في جميع أحوالهم، وهو الغني الحميد.
وإنما المشروع هو تعظيمه وتقديسه سبحانه والإيمان بأنه موصوف بصفات الكمال روى البخاري ومسلم عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم فليقل التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ثم ليتخير من الكلام ما شاء. [2]
ففي هذا الحديث -أيها الإخوة-: تفسير السلام، وأنه تحية ودعاء وأنه لا يصلح لله، لأنه يوهم نقص الله -عز وجل-، لأن فيه عيبًا والله -عز وجل- هو الغني عن العباد، وهم كلهم محتاجون إليه، فله تعالىلكمال المطلق، ولأنه خالف الحقيقة فالله -جل وعلا- يُدعى ولا يُدعى له، لأنه هو المسلِّم على عباده الذي يعطي السلام لجميع العباد وهو الغني عن العالمين، كما قال تعالى: {قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} وقال تعالى: {وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} فهو السلام ومنه السلام، لا إله غيره ولا رب سواه. [3]
ولذلك قالت اللبيبة الأربية الفطنة الكاملة خديجة رضي الله عنها لما نقل إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - ربها إليها كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِىَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّى، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِى الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ.
(1) بدائع الفوائد - (2/ 364) .
(2) أخرجه البخاري 835، مسلم 924.
(3) انظر: شرح كتاب التوحيد (240) للعلامة ابن باز.