فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 675

تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ». [1]

وهذا هو معنى الآية التي في سورة البقرة وهي قوله تعالى:"ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس"فليس معناها كما يتوهم كثير من الناس لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم": لا تكثروا الحلف بالله، وإنما معناها: لا تجعلوا أيمانكم وحلفكم بالله مانعة لكم من البر وصلة الرحم وفعل الخير إذا حلفتم على تركها كما قال تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) [النور: 22] "

يقول الحافظ ابن كثير: وهذه الآية نزلت في الصدِّيق، حين حلف ألا ينفع مِسْطَح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال، كما تقدم في الحديث. فلما أنزل الله براءةَ أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على مَن كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على مَن أقيم عليه -شَرَع -تبارك وتعالى-، وله الفضل والمنة، يعطفُ الصدِّيق على قريبه ونسيبه، وهو مِسْطَح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر، رضي الله عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد وَلَق وَلْقَة تاب الله عليه منها، وضُرب الحد عليها. وكان الصديق، رضي الله عنه، معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب. فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك. فعند ذلك قال الصديق: بلى، والله إنا نحب -يا ربنا -أن تغفر لنا. ثم رَجَع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا، في مقابلة ما كان قال: والله لا أنفعه بنافعة أبدًا، فلهذا كان الصدّيق هو الصديق [-رضي الله عنه- وعن بنته] . [2]

فالمعنى الثاني المقصود من حفظ اليمين في قوله تعالى:"واحفظوا أيمانكم": إذا حلفتم فلا تحنثوا في أيمانكم.

والمعنى الثالث لقوله تعالى:"واحفظوا أيمانكم"أي إذا حلفتم وحنثتم فكفروا عن حنثكم ولا تتركوا أيمانكم بغير كفارة قال ابن جرير الطبري:"واحفظوا أيمانكم"أي: لا تتركوها بغير تكفير". [3] "

إذًا -أيها الإخوة- فمن تمام تعظيم الخالق سبحانه أن يحترم اسمه العظيم عن كثرة الحلف وعن الحنث فيه وعن ترك الكفارة إذا حنث في اليمين.

(1) أخرجه البخاري 6622، ومسلم 4360.

(2) تفسير ابن كثير - (6/ 31) .

(3) نفسه (3/ 177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت