وجنبهم السفلة والخدم؛ فإنهم أسوأ الناس أدبًا، ووقرهم في العلانية، وأنبهم في السر، واضربهم على الكذب، وإن الكذب يدعو إلى الفجور وأن الفجور يدعو إلى النار" [1] ."
وهذان النصان في القرن الأول الهجري، ونلمح فيهما كثيرًا من النظريات التربوية القيمة.
وتحدث كثير من العلماء والمفكرين والفلاسفة عن التربية الروحية والجسدية والنفسية والعقلية والأخلاقية، فلم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا وتعرضوا لها، حتى طرائق الأكل، وآداب المجلس أوصوا بتعليمها، وكان الغزالي من الذين أفاضوا الحديث في هذا المنحى، ومن أقواله:
"الطريق في رياضة الأطفال من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفسية ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش عليه، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وشارك في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب. وإن عود الشر، وأهمل شقي، وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، وعلى الوالي أن يصون الصبي من الآثام؛ بأن يؤدبه، ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه عن قرناء السوء، ولا يعوده التنعيم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية؛ فيضيع عمره في طلبها إذا كبر" [2] .
والاهتداء والاقتداء من الأسس القوية في التربية الإسلامية؛ لذا فإن العلماء لم يهملوا الواجبات التي تراعى في المعلم والمتعلم التي تسهم في بناء الطفل بناءً سليمًا، فكان على المدرس - على ما سبق - ألا يكون في مجلسه مكان مميز لآحاد الناس، بل أن المجتمع عنده سواء، وإنما كان على المدرس أن يعامل الفقير معاملة الغني" [3] ."
"وعلى الطلاب أن يقفوا موقفاًُ مماثلًا، وأن يدركوا أنهم أمام المعلم، وفي حلقات العلم سواسية، لا فرق بين غني وفقير، وشريف وسوقه بل الفضل للمهذب المجد" [4] .
والمتتبع لكتب التراث والكتب المعاصرة التي اختصت بالتربية فإنه يتلمس نظريات إسلامية، إن لم تكن علمية تجريبية، فهي أقرب إلى الصواب من النظريات الغربية التي تهمل جوانب إنسانية متعددة؛ لذا لا تصل إلى درجة من الصحة تبلغ ما بلغته النظريات الإسلامية، ويعود ذلك لصحة الأسس التي انطلقت منها التربية الإسلامية، واعتمادها على المنهج الرباني والاستنارة بهديه، وليس معنى هذا أن نعرض عن النظريات الحديثة والمعاصرة، بل الذي أقصده أن نستلهم التربية الإسلامية، ونستوجبها، ونقتبس من
(1) مجلة الخدمة الاجتماعية / كليات البنات، مقالة د. نادية العمري، العدد الثاني 1399 هـ - 1979 م.
(2) تاريخ التربية الإسلامية، د. أحمد شلبي: 288.
(3) تاريخ التربية الإسلامية: 292.
(4) تاريخ التربية الإسلامية: 292.