الجزيرة العربية منبع الإسلام ومنطلقه الأول، ومهبط الوحي، وتكتنف البيت الذي تهفو إليه قلوب المسلمين، وتحتضن مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة التي يأرز إليها الإسلام كما تأرز [1] الحية إلى جحرها.
والمجتمع في هذه البلاد يحيا بروح الإسلام، وأسسه الاجتماعية منبعثة من التشريع الإلهي، وجداول العادات والتقاليد نابعة من الفكر الإسلامي في أغلب مناحيها.
لذا فإن الدارس للتعليم والتربية لمجتمع المملكة العربية السعودية لابد له من معرفة الدين الإسلامي، وأثره في تكوين القيم؛ لأن علماء الاجتماع يقولون: إن الأسس الثابتة في المجتمع لا تتغير، والإسلام له تأثيره الكبير على الثوابت الاجتماعية، بل هو صانع جذورها ومنابعها، أما نحن في المجتمع المسلم نؤمن بالتغيير إلى الأفضل، كما غيرت مدرسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسس وثوابت المجتمع الجاهلي.
ومن حسن حظنا في دراستنا هذه وجود التوافق بين ما نعتقده وبين ما قامت عليه التربية من إقرار الأسس الراسخة، واقتباس المنهجية منها.
ودراستنا للتربية الإسلامية يرجع لكونها العقيدة التي نؤمن بها، ولأن سياسة التعليم في الدولة تهدف إلى نشرها وترسيخها، ولأن المجتمع لا يبتغي بها بديلًا؛ ولذا فإن توجيهها، وما يستظل بظلالها يلقى هوى وقبولًا لدى المجتمع السعودي بأكمله لموافقته للأهداف التربوية الاجتماعية، وأساليب تحقيقها في هذه البلاد.
والإسلام صحب الطفولة والمؤثرات فيها حتى قبل تواجدها وبزوغها وإطلالها لفجر الحياة، حيث أمر باختيار المرأة الصالحة في دينها وخلقها، فقال - صلى الله عليه وسلم:"تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"، كما أوصى بالمرأة السليمة المعافاة في نفسها، وفي جذورها، وأصولها"اختاروا لنطفكم"، وقال"إياكم وخضراء الدمن"ونصح بالابتعاد عن الأمراض الوراثية مثل البرص والقمص، وفي ذلك حماية من المؤثرات الوراثية التي تتمثل في الجينات الناقلة لعدد من الخصائص الوراثية، ويولد الطفل وذهنه في حالة صفاء ونقاء، غير أن حتمية تكوين الآليات والمفاهيم الذهنية أمر واقع لا محال له، ومن هنا يتصارع عالم اليوم على التأثير في تكوين العقول البشرية، فالكل يسعى لاحتلال المركز الأول، والأكثر هيمنة وفاعلية، غير أن أمرها ومصدرها ينبع من المربين المشرفين، وأغلب الأحيان يتولى الوالدان العملية الإشرافية، ويكونان بمثابة المغذي لهذا الفكر المتنامي عند الطفل، فهما
(1) يأزر: يلجأ ويتجمع