فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 146

الأسرة هي مصدر التربية العملية، وإن لم تكن كذلك فهي مصدر الاتكالية، فينشأ ناشئين الفتيان على ما عوده عليه أبوه.

والحياة العملية متطلب إنساني، أو هو مطلب حياتي حيواني، فالطفل يستهل حياته عاملًا، فالبكاءُ والحركة والرضاعة، وتفتق العينين، واجتذاب الهواء، ثم تتنامى معه الحركة العملية، فالمشي والمضغ، واستعمال اليد، ثم ممارسة الحياة العملية؛ ليقوم بأعماله بجهده العضلي وتفكيره الذهني، فالبداية خدماته الذاتية القادر عليها، ثم يتطور الأمر لخدمة أسرته مداعبة وممازحة، وملاعبة، ثم يتدرج التكليف ليدرك معالم الحياة عملًا وواقعًا ـ منهجًا وتنظيمًا، فما دور الأسرة الوطنية في هذا المضمار؟

كانت الأسرة في وطننا قبل الطفرة الأولى مسرحًا عمليًا تربويًا، فتحولت الأسرة بفعل الطفرة وعدم الوعي إلى مرقد تكاسلي واتكالي؛ فالأسرة تركنُ إلى الاتكالية على العاملات والعاملين، وإن لم تكن كذلك فعلى الخدمات السوقية المكلفة؛ فالعاملة عاملةٌ، والأسرة الوطنية نائمة. لا تمدُّ يدًا ولا تمارسُ نشاطًا، فانعدمت المثلُ والقدوة، وانعدمت الحاجةُ إلى خدمات الطفولة والفتيان والفتيات والشباب والشابات، إننا أمام أسرة متراخيةٍ، كونت مجتمعًا متهاونًا غير مبال. فلا روح عمل، ولا عزيمة دافعة، ولا حركة نابضة، فتولد عنه الخمول العملي، والجمود الفكري، والمرض النفسي، والتكلس العضلي، ونشأ عنه بناءٌ واهٍ للإنسان في جسمه وعقله ونفسه، ومن ثم تواجد المرض السلوكي، وانعدمت التربية العملية.

ولا يدرك أبناء الأسرة رجالًا ونساءً متطلبات البيت الضرورية من الأعمال التنظيمية، ولا التجهيزات الغذائية، ولا قدرة للأسرة على الأعمال اليدوية للكهرباء وصنابير الماء، فلو انفجر مجرى ماء، أو انفلت صنبور، أو (لَيٍ) من (اللّيات) فإن الماء يواصل نزفه على مشهد من الأسرة حتى يأتي الغد بساعات العمل، مع أن المراهقين والنساء يستطيعون ذلك إذا عُلِِّموا المبادئ في أسبوع واحد، واعتادوا العمل والإنجاز.

إن مرض الاتكالية وعدم المبالاة مرض اجتماعي أفرز البطالة، والبطالة المقنعة، وأفرز أفواج العمالة الوافدة المستنزفة للثروة الوطنية، والمؤثرة على التربية سلبًا، فالحاجة أم الاختراع، ولا حاجة للعمل - بنظر الجاهلين - والعمالة متواجدة.

إن القوة العملية المنتجة للشباب مفقودة في مجتمعنا، فأضحى الشباب مستهلكًا لا منتجًا، فكانت خسارة المجتمع جسيمة ونتائجها كبيرة خطيرة، إنها قضية المفكرين والمربين والإعلاميين. والسؤال الذي ينطرح بقوة هو: كيف نعالج هذه المرحلة العمرية والأسرية لتكون هناك بيئة أسرية تربوية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت