يولد الإنسان ولا وعي عنده إلا ما كان غريزيًا يشترك مع سائر الحيوانات الفطرية، لكن الله خص الإنسان بالعقل؛ ذلك السجل غير المسطور في مرحلة الطفولة الأولى. والعقل يمثل الوعاء الشامل للوعي، بل إ ن هذا الوعاء صفحة بيضاء كرؤيتنا للسماء الزرقاء في رابعة النهار، وهذا العقل ذو الحجم الصغير في رؤيته البصرية تتسع آفاقه عند تأملنا الفكري لأبعاده، ونجد أن المفارقة الكونية بين عقل الإنسان مقارنة بالسماء التي تطوى كطي السجل يوم القيامة، وهي تذهل البشرية كما أذهلتها من قبل بمكوناتها النجومية، ومداراتها الكوكبية، ومجراتها العلوية ذلك ما اكتشف الإنسان (وما خفي أعظم) تلك نظرة علوية، فإذا ماعدنا بفكرنا لذواتنا {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} الذاريات: 21، وعقدنا المقارنة بين فضاءات السماء وفضاءات العقل، فإن الفضاء العقلي منحه الله للبشر، فكأن البشر لم يتنبهوا له فلما تأملوه فإذا هو يوحي من الخوارق ما يذهل نجوم المعرفة والعلم، فهو صفحة مصقولة تستقبل المكونات الذهنية متعددة الروافد التي تحضر في العقل البشري معالم التفكير وأنماطه، فالأمطار تهطل على تلك الصفحة البيضاء من فوقه ومن أمامه ومن ورائه ومن يمينه ومن شماله، ومن حيث يدري، ومن حيث لا يدري استهلالا بوالديه، وبيئته، وامتدادًا إلى المجتمع، والفضائيات، ومن جوانب التربية السلوكية، وغرس الحقائق المعرفية، واكتناز المخازن المعلوماتية، وما تحشده الحواس الخمس والحدس، وما لا ندركه حتى لو فطن الإنسان واشرأب لاستيعاب كل شئ، ولا يمثل هذا إلا أقل من عشرة في المئة من مساحة المخ. ومع هذه النسبة الضئيلة فإن الأمر عظيم، وأثر هذه المعلومات الذهنية كبير، فكلها تبادر لتتخذ مواطن استقرارية في صفحة العقل، وتتكون شرائح اجتماعية داخل منظومة البناء العقلي وتشكيله الأولي، فهذه المعلومات حين تلامس قيعان العقل تحفر لها أودية سحيقة، وتبني جبالًا راسخة، وتارة تلالًا، وشعابًا ومزارع موسمية وغابات كثيفة، ومراعي زائلة، فالمكونات الذهنية لتركيبة العقل يكون منها الراسخ، ومنها المتحرك؛ إنه حاسب يتفاعل ما في داخله، وتمتزج معلومته لتكون كيانًا منفردًا بخلاف الحاسب الآلي الذي يعجز عن هذه الوظيفة.
فعملية البناء داخل العقل البشري أدركتها الأديان قبل غيرها، وأدركها الفلاسفة المفكرون والعلماء المصلحون، ولكن مع امتداد التاريخ الزمني، والتراكم المعرفي تشتد عملية المبادرة والمنافسة لغزو هذا الفضاء العقلي لعالم العقل البشري المعاصر ومعالم تكوينه واحتلال مواقع فيه. وخاصية هذا البناء العقلي لتكوين الذهنية البشرية بأبنية الاستقرار داخل التجمعات في وعي الفرد العقلي تبادر إليها الأمم، فكلما احتلت مساحة في العقل اتخذت مكانا عليا يؤدي إلى هيمنة في كيان المعمورة الأرضية، ولأنها أسهل وسائل الهيمنة كما يتجسم لنا اليوم، والدول المعاصرة أكثر وعيًا بهذا، وهي محقة في ذلك لأن خاصية العقل ومكوناته الذهنية تتفاعل، وتكون بيئة داخل التجويف العقلي، وتصنع أنماطًا توجه الفرد والأفراد إلى فكر أولئك الذين استطاعوا