فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 146

إن الربيع الممتد بجماله وأريجه في صحرائنا يختال خضرةً، ويتشكل لوحاتٍ جمالية فنية، ويتلون ازهارًا صفراء وبيضاء وعنابية تموجُ بها الرياض والشعاب، ويفوح عبير أشجارها من القيصوم والشيح والجثاث والعاذر، إن الخمائل الربيعية اجتذبت أهل الجزيرة، فتراهم بين رياضها، وفي بطون أوديتها، وفوق تلالها، وتحت ظلالِ أدواحِها، وقد تكحلت عيونهم بمناظر خلابة، وطبيعة رائعة متعددة الأشكال. وتتماوج نفوسهم بهجةً ووجوهم نضرة وعيونهم ناظرة إلى تلك الحدائق الغنّاء، وتبسمت ثغورهم بنفحات النسمات الهوائية الرقيقة.

ومع هذا العطاء للطبيعة، فقد تخلى الإنسان عن إنسانيته نحو الطبيعة، فالطبيعة مشاركة إنسانية؛ فلا قيمة لها إلا بالإنسان، لكن الإنسان فتاكٌ بها، مدمر لها، جاحدٌ لعطائها، قوي كالصخر في مواجهة رقتها وليونتها.

فالكثير يفتقد الوعيَ بأهمية الجمال الطبيعي، والأكثر ميلُ الأكثرية إلى عدم المبالاة والاتكالية والتكاسل لجمع المخلفات، وعدم المبالاة بتحطيم النباتات.

فالناظرُ إلى تعامل الإنسان مع هذه اللوحات الجمالية، ومع الأشجار الرائعة، ومع الظلال الوارفة يصاب بالروع والفزع من سطوة الإنسان؛ فالأشجار تتعلق بها رقائق البلاستيك، وتغطي أغصانها، فتحجب مناظرها، وتُقبح صورتها، وتكتم أنفاسها، وتحول بينها وبين الضوء والهواء، فتذوي، وتذبل. وإذا صوبت بصرك إلى الظلال رأيت مخلفات قذرة متناثرة، وتأذيت من رائحة كريهة تفوح من هنا وهناك، فهذه في ظلالٍ وهذه فوق أشجار، وهذه مرتكز على أعضاد الدوح الظليل. اختلف لون الطبيعة، واختل توازنها.

والذي يعبرُ بين الأشجار، ويُذهل من الفعل البشري المدمر ذلك المنشار الفاتك الذي يقتلع الشجرة من قاعدتها، فتهوى دوحتها الكبيرة، إنه إرهاب البيئة. إنه عمل غير مسؤول، وغاية في السوء. كل ذلك الغول الشجري يستوطن الأودية في مناطق المملكة، فحيثما وليت وجهك ترى جذوع الأشجار التي عمرت سنينًا، لكن ذلك العمر الزمني يباع بدريهمات، ويستلذ به أصحاب المزاج في سويعات، إن الاحتطاب ليس ضرورة، وإنما هو ترفٌ ولهو وتبذير، إنه الإسراف الذي نهى عنه ربُ الكون وخالقهُ ومدبرهُ ومجبيهُ ومسقيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت