فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 146

إن الحاطبين الذين تعبرُ مركباتهم مملوءة بالحطب المفصل بالمنشار الفاتك يمرون على مراكز المجتمع، ولا من سائل، ولا من متدبر، ولا من معاقب لهم فمن أين أتت هذه الأشجار؟ وكيف جُمعت؟ إنها عربات نعوش الشجر، إنها نعوش البيئة تحملها قلوبٌ لا تلين، وعقولٌ لا تتأمل، وضمائر لا تؤنب، على مرأى من مجتمع لا يبالي، ولا يتساءل، ولم يكن حارسًا على الطبيعة الجميلة، بل يدفع الجائزة لأولئك الحائزين على الشجر بدفع الأثمان الباهظة، وليتها كانت الرسوم بدل الأثمان.

إن المركبات والعربات والجرافات والخلاطات عواملُ هدمٍ وتدمير؛ إنها العداوة للبيئة، إنها الحرب على البيئة، بل هي الحرب الحديدية ضد الطبيعة الرقيقة التي لا تحمل سلاحًا، بل تحمل سلامًا، فلو جبت الفيافي والبيد وتأملت آثار وطرق تلك العربات وما يماثلها لوجدتها جرداء لا تنبت عشبًا ولا شجرًا، بل تحصد النباتات، وتعدم أصولها. إن العربات تلك خرساءُ لكن الجاني هو الإنسان الذي لم يفكر مليًا كيف يقضي على البيئة بتلك الآلات، فمن الحبِّ ما قتل.

تلك الآلات التي دمرت الجبال في مكة المكرمة، والتّلال الصخرية في الرياض، وكذلك دمرت الأودية في الطائف، وهكذا تتواصل في الباحة وأبها ونجران وجازان، وقد فتكت وعبثت بأودية الشمال والتهمت حصباءها، وهزت جبالها صاعقة. حتى الأنظمة التي تحتم إصلاح ما أفسده الإنسان محجوبة عن التطبيق، فولاة الأمر وضعوا نظامًا بإعادة الطبيعة إلى جمالها ما أمكن، غيرُ أنك ترى الحفرَ العميقة والتلال الطويلة والتدمير البيئي بكل اشكاله بعد رحيل الإنسان عنها بسنوات.

إنها حربٌ ضد الطبيعة متوازية مع الحروب بين القوى الكبرى والدول الفقيرة الضعيفة، إنها حرب تهلك الحرث والنسل، إنها حربُ العقوق ضد أمن الأرض والطبيعة.

إن المتنزهين بمركباتهم الصغيرة والكبيرة لا يعبرون دربًا واحدة، وإنما يمخرون بعرباتهم كلَّ طريق سهلًا أو وعرًا، مُنبتًا أو قريبًا من الإنبات، فأنت تتألم حين ترى الأعشاب والورود والأزهار صرعى تحت وطأة الإطارات، وذابلةً في تلك الممرات المتوازية، فلو كان دربًا واحدًا لكفى.

إن المصدات ورش القار على التلال والكثبان لا يمنع رحيلها وارتحالها وقد أثبت الواقع ضعف تأثيرها، فلا هي منعت عبور التيار، ولا هي سمحت بنبت الأشجار، فكان التدمير في التعمير.

لقد قارنت بين روضة خريم والفياض من حولها فوجدتُ جمالَ الخضرة ونضارتها دخل الحواجز، والتدمير لها في الفياض الخارجية المجاورة لها فاقنعني ذلك الواقعُ بصواب فكرةِ الحمى، ووضعَ الحواجز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت