التواصل بين الأجيال فيه تواصل ثقافي، وتوارث فكري وسلوكي، وينقل التجارب من جيل إلى جيل، ويعمل على التلاقح الفكري، ويولد الحوار، ويغرس التجارب، ويثريها، ويطور الأجيال القديمة، ويصيرها تواكب المعاصرة، ويحفظ التوازن للأجيال الصغرى، وهو ينمي روح الحوار والجدل. فالأمم تتوارث عاداتها وتقاليدها وسلوكياتها، وأنماط حياتها، وعصارة تجاربها وثراء فكرها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتواصل بين الأجيال؛ فالعادات والتقاليد تصقل بالحراك الاجتماعي الذهني والمعرفي والسلوكي واستصحاب التجارب.
أما واقعنا اليوم فقد تناقص فيه التواصل بين الأجيال، فالأسرة لا يمكث بعضها مع بعض إلا يسيرًا، وإن تواجدوا في البيت، واجتمعوا، فالتلفاز ومشاهده يستحوذ عليهم، ثم كل منهم في عجلة من أمره، فاستذكار الدروس حجة، واستخدام الهواتف شاغلٌ، ومحادثات الأصحاب الهاتفية تصل إلى قاعات الطعام، وقاعات الاجتماع، والأب مشغول بأعماله التجارية، ثم بجولاته الخارجية، أو هو متنقل بين الاستراحات وعدد من الارتباطات؛ فتارة مع زملاء العمل، وتارة مع زملاء الدراسة، وتارة مع الأقارب، ويتوازى في ذلك الأجيال كلٌ مع جيله، فالنزعة والرغبة إلى في التفاف الأجيال حول بعضهم، ومن ثم نفتقد الترابط في هذه الجلسات بين مراحل تلك الأجيال.
ويقترب من التجمعات الذكورية والتجمعات النسائية، وإن كانت تضمُ في مجموعها الأجيال من الأهل والأقارب، غير أن الانعزالية تتشكل داخل تلك التكوينات؛ فالأمهات يجمعهن مجلسًا منفردًا، والبنات يتحلقن في مكان منعزل، والأحاديث تستحوذ عليها الموضة، وملاعبة الأطفال ومناغتهم، وإن ذهبن إلى التغذية وفن المطبخ أحيانًا، أما المشاكل والقضايا فإنها في منأى عن الحوار والنقاش الجماعي، وتحفها السرية والمحادثة الجانبية، إذن فلا نقل للتجارب، ولا تواصل حقيقي بين الأجيال.
ونتيجة لذلك اختفى سلاطين المجالس الذين يديرون القصص والحكايات، واختفى الراوي والقاص الذي يجمع بين القص والشعر، وكذلك اختفت حكايات الجدات وكبار النساء، واختفى قصص الأساطير والحكايات، وقصص السيّر للمشهورين من الأقارب، ومن العشيرة، ومن القرى، ومن المدن. وتضاءلت المجالس، فتغلبت عليها الأحاديث الجانبية الهامة.
إن هذا التباعد الذي يصل مرحلة الانفصال لم ينبع عن جفاء ولا عداوة بين الأجيال؛ إنما فرض هذا التكوين الاجتماعي المعاصر العوامل المؤثرة المعاصرة، ففرضت هذا الانفصام في غفلةٍ من الرقابة الاجتماعية، وتباطؤ من الدراسات المتابعة؛ إذن فالأمر أحوج ما يكون إلى مراكز اجتماعية توجد الحلول