الحياة تطبيق وممارسة، وكثير من العلوم وألوان المعرفة إنما هي نتائج الممارسة والتطبيق، فالبداية الأولى ممارسة فعلية، من خلالها اكتشف الإنسان كثيرًا من ضروريات الحياة، ومنها الكلام الذي تتكرر ممارسته، ومنها النار، ومنها حفر القبور، فلولا ممارسة الغراب ما وارى هابيل قابيل {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) } [1] .
وانطلقت الممارسة أولًا، ومن ثم تكونت التجارب والمعرفة، وبدأت ممارسة الحياة والتعامل مع الكون حتى تألق نور المعرفة، فلا علم إلا بممارسة سابقة، ما عدا الإلهيات الربانية المنزلة على الرسل في الكتب السماوية، أما حياة الشعوب كلها ممارسة، فإذا اختفت الممارسة لم تكن المعرفة والوعي بها كافيًا، ونحن لو اقتصرنا على اللغة لوجدناها ممارسة، ولا تزال ممارسة حتى تختفي الأرض، وتكون الأرض غير الأرض، وحتى يخرج منها الإنسان لحياة جديدة، ولو نظرنا إلى اللغة العربية بالذات لوجدناها ممارسة شفوية عبر قرون متعددة، وبالممارسة تثقفت، وصقلت، وتطورت، وتوحدت في اللهجة القرشية، وخلقت الشعر والحكمة والخطب، وأضحت أعظم بلاغة في عالم اللغات، ونحن نسير في مواكبها حين تحولت إلى الكتابة، وتحولت إلى معارف تدرس، فنجد أن الممارسة سبيلها، أخذناها من أولئك الذين تعلموها عبر الممارسة القولية، وعلماء اللغة مارسوها بمحادثة الأعراب، وقد تنبؤوا بضرورة الممارسة حتى بعد التدوين، فكان منهجهم يقوم على حفظ القرآن الكريم بالسماع، وتعارفوا على حفظ المعلقات وكثير من الأشعار، وأضحت ممارسة السماع مذهبًا للتلاميذ والطلاب؛ فكانت الكتاتيب تعتمد على سماع حفظ القرآن، ووضع مناهج أخرى للتدريس لتلقين المبتدئين مثل كثير من الكتب التي تضبط الحروف بالشكل، وقد كتبوا كتيبات صغيرة كأنها المنهج الضروري كرسالة البغدادية التي تعوّد اللسان على نطق كل حرف حسب ضبطه بالشكل، فأين منّا تجارب السابقين؟ فنحن لم نصنف التراكم العلمي، ونقتبس المفيد، ويكون مرتكزًا لنا.
(1) سورة المائدة، آية: 31.