القراءة تنقسم إلى قراءة جهرية وقراءة صامته، ونحن لو تأملنا في وظيفة كل واحدة لتمكنا من ترجيح أحدهما على الأخرى، فالقراءة الجهرية هي شعبة من شعب التقليد الضروري، وهي التي تميز الإنسان عن الحيوان، ومن ثم تكوَن الحيوان الناطق، والقراءة الجهرية هي الوسيلة الأولى للتفاهم مع الإنسان الناطق، وهي ضرورة الحياة، والقراءة الجهرية هي وسيلة تكوَن المعرفة الأولى، فالنطق هو الآخر يستقر في تكوين ذهنية المتلقي.
(ونقل المعنى يختلف باختلاف القارئ وقراءته، إذ يعطي بعض القراء من خلال قراءتهم المعاني حقها، لما يصاحب قراءتهم من تفاعل مع المقروء، وذلك بالتنعيم والتلوين وغيرهما من الصفات الثانوية التي تؤثر في المعنى، وتوجد التفاعل بين المستمع والنص المقروء، لأن للقراءة خصائص فنية تساعد على إبراز المعاني، ولأنها (( وسيلة وأداة توصل للتذوق الأدبي للكلام، عن طريق التعبيرات عن نوع الأسلوب من استفهام وإنكار وتقرير وتوبيخ وتعجب ونفي ودعاء ورجاء وزجر والتماس، وغير ذلك) [1] .
والاستخدام اللغوي الصوتي الجهوري مع الالتزام بالفصحى يحمي من تفتيت اللغة، وتحويلها إلى لهجات، ونحن قبل أربعين سنة كان يصعب علينا أن نتفهم لهجات مناطقنا وقبائلنا، ولكن مع توحيد التعليم أصبحنا أكثر تقاربًا، وتكاد تختفي اللهجات، وبناء الفصاحة عند الأطفال يعطيهم الثقة مبكرًا، ويمدهم بالثروة اللغوية والمعنوية للحوار في أي ميدان لثقته بنفسه.
والاستخدام اللغوي الفصيح يبني الثروة اللغوية مبكرًا، فكثير من الذين يعتمدون على اللهجات يضطر الأطفال إلى تعليم لغة المدرسة أو الأقران، والابتعاد عن لغة المنزل، فيبدأ بتكوين لغة جديدة، وهذا مما يعرقل مسيرة المعرفة، ويضعف التواصل مع الآخرين.
فالقراءة الجهرية والتداول الفصيح وشيوعها يؤدي كل ذلك إلى تصدير اللغة إلى الشعوب الأخرى، فالقراءة الجهرية ضرورة فردية ووطنية وتعليمية؛ فهي أهم رابط بين الشعوب
واللغة العربية لغة دين ولغة أمة ولغة قرآن عظيم، فهي أولى بالرعاية.
(1) القراءة الجهرية، الدكتور / سليمان العايد، ص 8، بحث مخطوط