فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 146

الحمد لله الذي خلق الإنسان ليستعمر الأرض، وجعل أفضل صفاته الإيمان والعمل الصالح الذي يشمل سائر إنجازه اليومي، فجعل العبادة جُلَّ العمل إذا أريد به وجه الله، فعمل الإنسان قائم في كل الأحوال، ولا يقتصر العمل الصالح على ممارسة العابدين، وهي فضيلة، والأفضل منها ممارسة العبادة والعمل اقتداءً بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الكرام.

لقد واكبتُ الأجيال العملية التي توافدت على العمل من كل حدب وصوب من أبناء الجزيرة العربية من داخل الوطن، ومن أبناء الدول المجاورة كاليمن وعُمان، وكلٌّ يسعى جاهدًا ليلتحق بأي عمل يدوي، أو مهني، أو عسكري ابتداء من الحِرَف والورش والخدمات النظافية إلى عمل تنزيل الأثقال والأحمال وأعمال البناء، والمواد الصحية والكهربائية، وكانت مرحلة لم نسمع بها بأي عمل معيب، حتى من أبناء القبائل، فالكل في حركة دائبة، وارتبط العمل بالعلم، فالعمل الصباحي مع التعلم المسائي، إنها أمة تبني، وقد فعلت، ثم جاءت مرحلة الطفرة واختفت مرحلة التربية العملية المنزلية والأسرية، وانفرد طلب العلم بالاهتمام، ولم يرتبط بالعمل، ومن هنا فقدنا التربية العملية بشقّيْها الأسري والمدرسي، مما كوّن عندنا البطالة المقنعة أولًا، وهي مرض المجتمع السعودي، بل هي مرض المجتمعات العربية والإسلامية، فهل نقارن الآن العامل الإسلامي بالعامل الأجنبي الأوربي، أو العامل من الدول التي اعتمدت على روح العمل؟ فنحن لا نستطيع أن نفاخر بانجازنا ولا بإبداعنا، بل نفاخر ببطالتنا إن كان يفاخر بها، فجاءت البطالة، وهي أشبه بالبطالة المقنعة، وتكوينها نتيجة التربية الأسرية والمدرسية وعدم التدريب العملي منذ الصغر، وإلا كيف تكون بطالة وعندنا ما يقرب من ثمانية ملايين عامل، كلهم يجني أفضل مما يجني أستاذ الجامعة؟

والمتأمل في حياتنا العملية المعاصرة يصاب بخيبة، فإذا استشرف المجتمع فإنه يخشى على أمته من عملية التهاون والتكاسل وعدم المبالاة، وبناء فرد مستهلك لا منجز، وهذه من أسباب تردي الأمم وضعفها، وتفتح الباب لتسطو الأمم على مقدراتها إن لم تتجاوز ذلك إلى أوطانها، وذوبان شعوبها، أو تبعيتها.

إننا أمة تمتلك مقومات الحياة العقدية، والفكرية، والتراثية، والمادية، وهي كفيلة ببناء أمة المستقبل وفرد المستقبل الذي يعطي أكثر مما يستهلك، ويأخذ.

ومن هذه النظرة كانت معاناة التهاون، وعدم المبالاة، والبطالة المقنعة، وغياب العزيمة والهمة التي كانت هاجسي الفكري لنبني مجتمعي؛ فعنها أكتب، وعنها أخاطب طلابي، وبها أتحدث في مجالسي الخاصة ومنتدياتي العامة، وهذا الكتاب هو: مقالات وأبحاث في الفكر التربوي، كتبتها قديمًا تدور حول التربية العملية لبناء أجيال قادمة تنهض بالأمة، وتنافس الشعوب الأخرى، وأنا الآن أسعد بتقديمها، لعل الله يفيد بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت