فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 146

قامت نظرية التعليم في العالم العربي على نظرية تعلم المعرفة، وعلى نشر العلم ومحاربة الجهل، وقد جرى كثير من بناة التعليم ورجاله في ركابها، وهم معذورون، فإن المهمة الكبرى الأولى لهم هي إزاحة غياهب الجهل، أو لأنه مطبق على الشرق بنسبة 90%، فكانت المعرفة مبنية على النظريات، وحتى العلوم التجريبية تدرس من أجل المعرفة لا من أجل التطبيق، فالتجارب فيها لا تتجاوز مرحلة المعرفة، والإحاطة بمعرفة النظرية وتطبيقها التجريبي، لكن ينقصها ممارسة التطبيق العملي، والإنجاز التقني من الطلاب والطالبات، وربما أن هيمنة مستشاري التعليم من الغرب إّبان الاستعمار كان لها دور كيدي مبطن.

وربما أن لغربة علماء التربية الفكرية والتربوية أثر في ذلك، فهم اهتموا بسطحية المناهج، ولم يهتموا بالتربية العملية، فلم نسمع كثيرًا بالمناداة لإيجاد مدارس تجمع بين النظرية والتطبيق، فلم يكن هناك وسائل العملية اليدوية في بدائية المعرفة القابلة للتطبيق اليومي، فالذي يدرس الكهرباء يجب أن يمارس التركيبات السطحية ممارسة فعلية، والذي يدرس المواد الصحية يجب أن يفك ضرورياته الصحية في البيت من الذكور والإناث، والفتاة التي تدرس التدبير المنزلي يجب أن تمارسه مباشرة، ويفسح لها المجال، وليس أدل على ضعف التطبيق من حوانيت الخطوط والفنون والرسوم التي يدفع لها مبلغ من المال وتصنع اللوحات باسم طلابنا وطالباتنا، والأدهى من ذلك أنها تلقى قبولًا من المدرسة بل تشجيعًا، ونحن نقدمها للوزارة وللمعارض، وتلقى قبولًا وشكرًا للمدارس، فهي عملية مضللة.

ونحن لو تأملنا الممارسة اللغوية الكونية لوجدناها تقوم على التقليد والممارسة، فالأولاد يأخذون عن آبائهم وأسرهم، ثم يتنقلون إلى مجتمعاتهم بحسب قدراتهم الفردية، فكل ما كثر مجتمعه، وتنقل كان أكثر ثروة لغوية، وأكثر صقلًا ودربة للسانه، وهكذا تكونت العربية، وهكذا تكونت اللهجة القرشية، ولما جاء دور علماء اللغة انشغلوا بالممارسة ومتابعة الأعراب في بواديهم وضبطهم، وهم يقولون من تعلم في الصحف كثر عنده التحريف، وهناك مؤلفات تكشف عن التحريف اللغوي، ودراستنا المعاصرة ألغت السماع والاحتذاء والاقتداء، واعتمدت على التصحيف، ونجد أن سائر علماء الإسلام اعتمدوا على حفظ القرآن الكريم والأشعار حتى تكونت عندهم ملكة اللغة، ومن قل حفظه ضعفت فصاحته اللسانية.

ومسيرة التعليم في العصور الغابرة اعتمدت على الحفظ وتعليم القراءة والخط والإملاء في مراحلها الأولى، وهي خطة ناجحة افتقدناها في تعليمنا المعاصر بحجة أنك تفهم أفضل من أن تحفظ، ولكن لماذا لم نجمع بينهما: تحفظ وتفهم؟ وإن غلب الحفظ فمن أجل ابتهال الفرصة في هذه المرحلة الزمنية التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت