فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 146

إن عملية التربية تقوم على الإنسان، والإنسان لم يكن له مطلق الحرية، فمن بداية الأمر قيده الله بالعقل؛ فالعقل عقال له من الشطط والانحراف، أو التيه. وهذا قيد شامل لجميع البشرية، وليس هذا فحسب، بل إن العقل محدود الإمكانيات، وربما تتغلب عليه الغرائز، فأوجد الله له موجهًا آخر قويًا أقوى من العقل، وهو الدين الذي يحاسب الفرد ظاهريًا وباطنيًا، وليس ذلك كافيًا أيضًا، فوجدت له السلطة وقوانينها وتنظيمها، والشرع الإسلامي أيضًا سن الحدود والقيد والحلال والحرام. إذن من حيث المبدأ فإن النقل والعقل يؤيدان توجيه الإنسان بالسلطة:"إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزغ بالقرآن"وعملية تنفيذ الحدود والتأديب فرضت على العقلاء من البشر، ولم تحجب عن عالم ولا وجيه ولا كبير، إنما توقع على من وقع فيها، فاستحق الجزاء الرادع.

وما دام أن هذا شأن العقلاء، فكيف بمن عقولهم في حاجة إلى تنميته كالأطفال، والمراهقين، فكلٌ يقرّ في طفولته، وحتى في رجولته، وكم من موقف حازم انتشل مراهقًا. ومع ذلك فالدين يحث على الحزم والعقاب والتوجيه من مرحلة الطفولة حتى يبلغ الحادية والعشرين؛ فالابن مصاحب لأبيه تحت رؤيته، فيلاعبه لسبع، وكلٌ يدرك ملاعبة الأب وصحبته، ثم تأتي مرحلة التأديب لسبع، ثم ننتقل لمرحلة المصاحبة مرة أخرى لسبع أخرى، لكن للأسف من يعمل هذا مع أبنائه اليوم يعتبر في نظر المجتمع جانيًا على أبنائه. ووظيفة الأب يحمل مثلها معلم الأجيال، فلماذا لم نعط حقه في التوجيه والتأديب؟ وهم يذكرون أخطاء وقعت، فلا مناص منها، لكنها تقع من الآباء، قلة وندرة أفضل مما تقع من الأبناء في كثرة وشيوع، وتتسرب إلى المجتمع كله. ومما يؤسف له، بل إن حادثة المدير والمدرسين، وما خفي أعظم، كانت نتائج حتمية لسلوكيات التربية المستوردة والمستنبطة من مجتمعات لا تقر بكثير من الأخطاء، وحوادث الوالدين خاضعة لظروف المجتمع المتحلل من السلوكيات، الذي انتزعت فيه الأنا، ونتيجة لاضطرابات نفسية. إن أخذ التربية الغربية بجملتها ليس من الصواب في شيء، بل أخذنا السلبيات، وأعرضنا عن الإيجابيات؛ كمثل الالتزام والنظام والتفاني في العمل، وهذا لا نجده عند أولئك، بل عند بعض العرب الذين التزموا بتلك التربية، فما أحوجنا إلى تربية إسلامية تقوم على الحزم في عملية تنظيمية، ترفع شأن المعلم، ولا تمنع عقاب المعلم الذي يتجاوز حده، أو حد العملية التربوية. إن الحزم التربوي وسيلة من وسائل نجاح المجتمع، ومن السدود في وجه الانحراف.

إن الأوائل قالوا: إن التعليم رغبة أو رهبة، ومادام التعليم حتى الثانوية إجباريًا فلابدّ من الرغبة أو الرهبة أو كلاهما معًا، وكلٌ يدرك أن غالبية المعلمين يمارسون الترغيب أولًا، وأتذكر أنني في يوم من الأيام أعلنت للطلاب في بداية العام فلسفة العقاب والضرب، وقلت لهم: إن كلًا منهم يخبرني عن حالته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت