فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 146

إن الحياة الزوجية خاصية إنسانية، وهي خاصية عقلية، وخاصية وجدانية مستديمة، وخاصية حب وتآلف، إنها عمارة الإنسان، إنها صحة الإنسان، إنها الأنس اليومي، وإنها السعادة البشرية، ومع أهميتها الكبرى، وعظم المسؤولية لها وعنها. وتواجدها اليومي في الكون لم تجد من الدراسات والفلسفة والفكر ما يماثل هذه الأهمية في عالمنا المعاصر، مع أن العلم اعتنى بالإنسان فردًا، واعتنى بجسمه وأعضاء بدنه، وتكوينه الجسدي، وبحالته النفسية، ورغباته الذاتية، وعلاقته بالمجتمع.

فقد أغفلت الدراسات الفكرية ضرورة المشاركة الزوجية الطبيعية المنغرسة في كيان النفس وكيان العقل، وكيان الجسد لكل من الرجل والمرأة، فحياتهما تكاملية، صلاح الأسرة بصلاحهما، وصلاح المجتمع بصلاحهما، وصلاح الفرد بصلاحهما، وتماسك الشعوب بتماسكهما، ومع كل ذلك وذاك لم تكن هناك عناية بحثية شائعة حول مؤثرات سلامة الحياة الزوجية واستقامتها، ولا بمنغصاتها ولا بالباترات القاطعات للحياة الزوجية، ولا بالدراسات الوقائية من الفشل.

إننا في عالم يدعو إلى الشتات، ويدعو إلى محاربة الفطرة، ويدعو إلى تعطيل ضروريات الحياة البشرية، ويدعو إلى الإباحية، ويسعى جاهدًا لأن يتراجع الإنسان عن عقليته، ويتنازل عن إنسانيته، إلى التشابك مع سائر الحيوان، فتكون حياة بهيمية، وينزو كلٌ على الآخر، حتى المتماثلين في أي مكان شائع، يجد بغيته في أي زمان ومكان، وحيثما حلَّ أو ارتحل، وتنفض العلاقات كتفرق الحيوانات. وقد هبت رياح ذوبان الأسرة على المجتمع الإسلامي والعربي، وما نحن بمنأى عن هذه المؤثرات، وقد رأينا معالمها فيما يعتري الأسرة من تفكك، فقد تداعت أواصر الودِ والتلاحم، وتداعى الإيثار، وتضاءلت الملائمة بين المصلحة الذاتية والقرين الشرعي، فكل فتى أو فتاة يبني قصورًا من الأحلام الذاتية، فما يعنيه إلا تلبية رغباته وشهواته، وتلبية خدماته، وتوافر الأجواء غير المنقصة لما اعتاده من نمط الحياة، ولو كان مخطئًا.

وكل من الزوجين معني بتوفير المال، أو لنقل بذلهُ لحاجاته الذاتية بلا توازنٍ مع سائر أسرته، بل يُؤثر زياراته والتعامل مع أقرانه على الذين يبذلون له بسخاء، فلم يفكر بالتوازن مع الوضع الأسري الذي يقوم على تبادل الحب، وعلى تبادل المنفعة، وعلى تبادل الكرم، وعلى تنمية الود وتجديده، قوامُ ذلك الكلمةُ الطيبةُ، وأكسيره العمل الصالح، ومقوماتُهُ زراعة ُ أسباب الحب وموجباتُهُ وتزايدُه وتناميهُ وتجديدُه )) .

وشبابنا في معزلٍ عن معاناة ِالمجتمع، فالفتياتُ لا يجالسن النساء المتقدمات في العمر، بل هن في انعزالية تامة عن أحاديث المعاناة، وأحاديث السعادة، وأحاديث الانفصال، وقصص النكبات وأسبابها، والطلاق ومصائره المعذبة. فهن في غفلة، ومن هنا لم تُهيأ الفتاة للبذل والعطاء، وإنما للكسب ومقومات الأنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت