احتلاله أولًا؛ كما يقول (إدوارد دي بونو) (يُعتبر العقل نظاما مُصمما للأنماط، حيث يعمل نظام المعلومات في العقل على خلق أنماط يمكنه تمييزها) التفكير الإبداعي ص 32.
وتكون الأنماط خاضعة لماهية الموارد المعلوماتية المؤثرة في بناء أنماط الحياة لتلك العقلية؛ كأن تنغرس أنماط سلوكية تتلبس بغريزة من الغرائز، فيعلو شأنها، ويعظم أمرها، ويطفو تأثيرها على فرد دون غيرها من الغرائز، كأولئك الذين غلب عليهم تيار الوجد والوجدان الرومانسي من عشاق العرب، والتربادور في الغرب فقد استحوذ عليهم دون سائر الغرائز المكونات الذهنية الأخرى، وهناك من غلب عليهم تيار الرغبة الجامحة لبناء الاندفاع العقلي حتى أهملوا، و تهاوت قوة الغريزة الوجدانية كما يمثله كثير من العلماء كابن تيميه، سيد قطب، وأفواج من رجال الصوفية، وهناك من غلب عليه جانب الاندفاع في موجة القوة الجسدية والعظمة المعنوية كالفرسان العرب، وكذلك الصعاليك، وتختلف الأنماط باختلاف غزارة بناء المكونات داخل البنية العقلية.
وهناك أمطار معلوماتية تبني عقولا ذات منهجية قابلة لتحولات الأعاصير والرياح الجارفة، قادرة على التعامل معها في ثبات يحميها من الانحراف، ولا يمنعها من استبقاء البذور التي تحملها الرياح، أو الاستفادة من الأمطار التي تحملها التيارات والأعاصير. وهناك معلومات فجة تكوّن أنماطًا واهية تجعل الفرد يمور مع الأعاصير و التيارات؛ كما تمور أتربة الصحراء، أو نفوذ الربع الخالي، فهي متحركة لا يستقر لها قرار.
ولم يطرأ على العالم بأسره - حاضره وغابره - هطول أمطار فكرية، وعواصف سلوكية تحمل تلوثًا، وتوظف وسائل فاعلة كما حصل في زمننا هذا، ولديها القدرة على أن تحضر وتحوز مكانًا في صناعة التكوين لعناصر المفاهيم الذهنية، وقبل ذلك صياغة الأنماط الفكرية، بل تهز الأنماط وتعصف بها.
وعالم اليوم أشد تنافسًا على احتلال مصادر تكوين الأنماط العقلية العالمية لكل أفراد الكون؛ أنهم يتسابقون، بل يتحاربون بوسائل الحروب الذهنية؛ لأنها أشد فتكا على احتلال مساحات داخل الوعاء العقلي الفردي والجمعي في المعمورة الأرضية، وكان من قبل يقتصر التوجيه على الذهنية الفردية داخل الأوطان.
إن اكتشاف المناطق الوعائية العقلية، واحتلال مكانة فيها قريب المقارنة بالتنافس حول اكتشاف الفضاء واحتلال مكانة فيه بل إنهم قادرون على توجيه الطاقة في الفضاء لصالح البناء البشري، أو لتدميره.
ثم أدركوا أن فضاء العقل أهم بكثير من الفضاء الخارجي، فصيروا الأخير وسيلة فعالة، ووظفوه لتوجيه العقل ليريحهم من الحروب الدموية، ويمتلكوا ذهنية العالم لتسخيرها لصالحهم، وليست للندية كما يزعمون، فهم قادرون على فرز الأفكار، وحجب النافع في ملكيتهم الذهنية. وهذه النظرة التأملية في تأسيس البناء العقلي تتواصل مع التوجيه الإسلامي، فقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تلك الخاصية في حديثه الشريف حين أبان عن تأثير الفكر على العقل، وكونه يعمل فيه كعمل الغيث في الأرض الفضاء (إن مَثَلَ ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ