والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به، فعلِم وعلمّ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) متفق عليه. رياض الصالحين ص 114.
إذن فإن عقول أبناء الأمة أمانة وطنية سامية، وأمانة اجتماعية، وأمانة أسرية وأمانة فردية مستمرة مدى الحياة الفردية والجماعية، تشاد لها الوزارات الدفاعية، والوزارات التربوية، وتبنى لها المناهج الفردية والاجتماعية، وترسخ القيم السلوكية التي تكون أنماطًا عقلية ذات قابلية للخير، قادرة على تمحيص التلوث وَجْليِ الضباب وحجبه، أو تمريره في وجه التيار حتى لا يستقر له قرار، وأي مهمة هذه؟ إنها أعظم وظيفة بشرية حملها الرسل والأنبياء والعلماء، فلم يحجبوا أنماط العقل عن استقبال الخير، بل دعاهم القرآن الكريم إلى التأمل الفكري، بل بواسطته غُيرت أنماط الفكر الجاهلي، وحُطمت أسواره، وبينت أنماط جديدة.
ولا ريب أن كثيرًا من المفكرين الذين لم يستظلوا بظلال الفكر الرباني تاه بهم الفكر، وهم يحملون الراية لجموع بشرية تتدافع خلفهم. ونحن لما نقارن ثقافتنا الإسلامية الحقة النقية ذات المحجة البيضاء بغيرها نجدها تصنع عقولًا، وتبني وعيًا يقوم على أنماط من الثوابت الربانية والتوقيفية فيقوم فكر حركي تأملي من أخص وظائفه زيادة الإيمان، ويزيد الوعي بوسائل بناء الحضارة، أو كلاهما النمط الثابت والنمط الحركي، يكمل أحدهما الآخر، ويتفاعل معه في ديمومة تجاذبيّه وتلاحمهما يصنع بيئة عقلية ونمطًا للاستقبال، ولما نقارنه بالنمط الغربي نجد الأخير عند الغرب يقوم على النمط الحركي، وله دوره في بناء الفكر العلمي، لكنه سريع الحركة مع التيارات الموجهة عالميًا خاضع للهوى، وما تمليه العواطف والغرائز، وهناك يتأتى دور العقل المتفحص الواعي، بل اشتراك العقول، واستبيان الآراء حتى تقود الحراك الثقافي.
وهذا الحراك السريع صنع منها قيما باسم الحرية، وهي تنأى في بعضها عن القيم السامية التي نزلت بها الأديان السماوية في مرحلة صفائها، ولا يقر عقلاء الأمم أن الخضوع للقيم السامية نفيًا للحرية، بل يدركون إن الخضوع للهوى الجمعي والشهوانية المؤثرة في السلوكيات أكثر نفيًا للحرية. إن المعادلة صعبة، وتحتاج إلى عمق فكري يؤدي إلى الإقناع، والفكر الإسلامي النقي الصافي من شوائب الأهواء الاجتماعية وأنماطها جدير بأن ينافس، ويمثل مكانة سامية في تلك العقول الحركية لو تعانق معها، وتخللها بصورته السامية، فهم يتعطشون له، لكن المصادات والحواجز والسدود تقف ضده، فضلًا عن اضمحلال الوسائل التي تحمل الفكر الإسلامي، فتنعدم الوسائل القادرة على تبليغ الرسالة الفكرية السامية.
وما دمنا نفتقد القدرة على التواصل، ونفتقد القدرة على الاستيعاب، ولم نعمل على بناء عقولنا البناء السليم، إذن فنحن أجدر بأن نفكر في عقولنا ووعينا لتكون مصدرا لصناعة نمط التفكير الإبداعي الحي الذي