الأمر الذي يؤدي إلى الاتكالية والجمود الذاتي، ويلتقي الفرد الصالح والمواطن الصالح على التعاون على البر والتقوى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [1] ، وتربية الفرد الصالح هو هاجس الأديان السماوية، فالله سبحانه وتعالى سن في كتبه، وعلى لسان رسله - عليهم أفضل الصلاة والسلام - الجزاء والعقاب الفردي، فكلٌ يأتي يوم القيامة فردًا، يحاسب على أعماله الاختيارية، والتربية للمواطن الصالح تستلهم مقولة"الموت مع الجماعة رحمة"وهذا خطأ شائع أو تسلية كاذبة، فالرسل جاءوا أفرادًا ليصلحوا جماعات، ثم إن كل فرد يشعر بمأساته الذاتية، وينسى ما حوله من حالك المآسي على الآخرين من شدة الهول، ويوم القيامة يأتي الناس عراة، ولا من راءٍ للعورات أو متلبس بالحياء، إن الأمر أكبر من ذلك كما هو معنى الحديث الشريف.
ونحن لو وقفنا عند محاسبة الأفراد إداريًا أو اجتماعيًا أو تعليميًا محاسبة فردية لكان في ذلك صلاح إدارتنا، فيحقق الإصلاح الإداري والمالي ويحقق الأمن الحياتي، فهو صلاح للفرد والمجتمع، بل يطور الهياكل الإدارية بتعاون الأفراد الصالحين.
وتجربتنا في تربية المواطن الصالح تمخضت عن إحالة الفشل إلى الآخرين، وإيجاد المعاذير التي يحملها مجتمعه، فالكلية أو الأستاذ هو سبب رسوب الطالب، والوالدان هما عرقلة في مسيرة دراسته، والمرور هو العائق الدائم أمام الحضور المبكر للدوام، والمجتمع الإداري من حوله هو سبب الفساد الإداري، وهو سبب البطالة المقنعة، وهو يحجبه عن الإبداع، وحمل الأمانة، والتفاني في العمل.
فإذا أردنا أن نطور مجتمعنا فلْنَبْنِ هياكل تربوية واجتماعية وأسرية تنمي ذهنية فردية صالحة، وتربية عملية قوية للفرد، ونتجنب تربية الاتكالية، وليتمثل كل فرد بقول الشاعر:
نفس عصام سودت عصام ... وعلمته الكر والإقدام
وعزيمة عصام هذه نفتقدها عند الكثير من الشباب حتى المتخرج من الجامعات، فهو يخضع لتربية متهاونة، وهو لم يكتسب منهجية محورية، لذا يتأثر بالمجتمع؛ فيحجم عن تطوير ثقافته، وإذا انخرط في الحياة العملية، وانضم إلى بيئة غير مبالية لم يحاول الإصلاح بل يصبح غير مبال، وإن دخل ضمن شريحة ذات فساد إداري استمرأ ذلك، وتعامل معه، والعذر أن المجتمع أجبره.
فهل لنا من كل فرد أن يعمل لصالح ذاته وصلاح أفراد أسرته ومجتمعه؟ والأسرة تعمل لصلاح أفرادها، وهل لنا من مجتمع يبني هياكل تهدف إلى بناء الفرد الصالح؟ وهل لنا بمؤسسات حكومية تبني منهجية وتشيد خططًا تنتج فردًا صالحًا؟ نسأل الله أن يرينا الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه.
(1) سورة المائدة، آية: 2.