فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 853

إن العالم مليء بالشواهد التي تدل على التراجيديا [الماساة). فالحكومات تضطهد شعوبها وتمارس العدوان ضد جيرانها. وتتم إدارة السياسة الدولية في حالة من الفوضى (anarchy) ، حيث استخدم الإغريق ذلك المصطلح ليس بمعني فوضى الفلتان (chaos) ، وإنما يعني باليونانية من دون حاکم، أي انعدام وجود سلطة مسيطرة تفرض النظام. فهناك انتظام معين، لكنه موجود في عالم أبعد ما يكون عن كونه مستعدا لحكومة عالمية، فالانتظام في معظمه ليس شيئا يتم فرضه من أعلى.

يقول الواقعيون إن كل دولة هي عدو محتمل لكل دولة أخرى، وإنها خطر يهدد أمن الدول الأخرى وجوهر بقائها، سواء أكان ذلك عن قصد أم عن غير قصد، وفي غياب دولة عالمية، تبقى الدول محاصرة إلى الأبد في هذه الحالة الخطرة المتداعية من الحرية والمخاطرة، ولهذا الفكر، كما الفوضى التي تشکل اساسا له، تاريخ يمتد منذ أيام ثوسيديدس، ونيكولو مكيافيلي Niccolo) (Machiavelli، وتوماس هوبز، وهو بشكل وجهات نظر عديد من صانعي السياسات، وعلى الرغم من ذلك، فهنالك قيود على استخدام القوة. فالدول لا تقاتل جميع الدول الأخرى حتى عندما تسيطر المبادئ الواقعية البحتة، وذلك لأنها مقيدة بالطبيعة الجغرافية، وبتلاقي المصالح القومية العرب عنها في التحالفات، وبتوازن القوى. ويشكل الردع المحور الرئيس للبقاء، لكن الردع - ولا سيما الردع النووي - هو طريقة غير أكيدة وخطرة لتجنب الحروب. إن التعامل مع السياسة الدولية كلها وكأنها صراع لا ينتهي، ومع الجميع وكأنهم عذر محتمل، بخاطر بتحوله إلى نبوءة تحقق ذاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت