وإن زعم الخصم أنهما لم تزل غير مجتمعة ولا مفترقه، كان ذلك باطلا، مدركا بطلانه بضرورة العقل. فإنا إذا فرضنا الكلام في جوهرين، وهما متحيزن شاغلان لحيزين، لا يجوز وجود أحدهما، بحيث الثاني، فلا بد أن يكون أحدهما ملاصقا للثاني منضما اليه، أو لا يكون منضما إليه. فإن كان منضما إليه، فيهما مجتمعان، وإن لم يكن ملاصقا له، بل كان في حيز نائي عن حيزه فهما مفترقان، وهذا معلوم ببدائه العقول.
وإن راغ الخصم وجوّز وجود جواهر بحيث جوهر واحد، كان ذلك مصيرًا إلى تداخل الجواهر، وقد أو ضحنا بطلانه بما فيه مقنع، وسننعطف عليه عند ذكرنا تفصيل الرد على القائلين بالمعصر والهيولي. فإن قال قائل: أستم اعتقد ثم صانعا للعالم موجودًا، ثم زعمتم أنه غير متصل بجواهر العالم ولا منفصل عنها، فإن لم يبعد ذلك منكم في الصانع وصنعه، فلا تستبعدوه منا في الجواهر.
وهذا الذي قالوه غير متقبل في حكم النظر أولا، فإنا تشبثنا فيما ادعيناه بالضرورة، وادعاء البديهة. والقوادح والاعتراضات إنما توجه على المستدلين، ومدعي البديهة غير مستدل. فسبيل الخصم وإلزامه، كسبيل أهل السفسطة، إذا اعترضوا على المشاهدات والمحسوسات بالأحلام وضروب التخيلات.
ومما تمسك به الأئمة في الرد عليهم أن قالوا: إذا زعمتم أن الجواهر في الأزل لم تكن مجتمعة ولا مفترقه ثم اجتمع منها ما اجتمع، وافترق ما افترق،