وأما الصالحي، فتوجه عليه الأدلة المقامة على الدهرية والإسلاميين، ويخص بضرب من الإلزام لا محيص له منه؛ وذلك أنا نقول: إذا جوزت تعري الجواهر عن الأعراض، فكيف تستدل على حدث الجواهر، إذ لا سبيل إلى معرفة حدثها سوى قد مناه، وكل مذهب يسد باب الاستدلال على حدث الجواهر، فهو مردود.
ومما يعم كافة مخالفينا من المنتمين إلى الإسلام أن نقول: قد اتفقنا على استحالة قيام الحوادث بذات الرب سبحانه وتعالى، ولا دليل على ذلك إلا أن يقال: لو قَبِل الحوادث لم يخل منها، وأيتم أفسد ثم ذلك على أنفسكم. ولو حاولوا إثبات مرامهم بطريقة أخري، لم يجدوا إليها سبيلا.
وقد ذكر الأستاذ أبو بكر والأستاذ أبو اسحق طريقة فقالا: إذا أدراك المدرك جوهرًا، ثم قام به سواد، فأدركه مع السواد، فيعلم تفرقة ضرورية لين حالتي الجوهر، ولا تتعلق التفرقة إلا في شيئين. فدل أن التفرقة تعلقت بالسواد ولون آخر قبله، إذ يستحيل أن تتعلق التفرقة بذات الجوهر والسواد، إذ لو تعلقت التفرقة بهما لأدركهما المدرك مع استمرار السواد القائم بالجوهر. فوضح أن التفرقة المدركة بين حالتي الجوهر لم ترجع إلى ذات الجوهر والسواد، وإنما رجعت إلى السواد ولون آخر قبله.
وهذه الطريقة مدخولة عندي من وجين: أحدهما أن للقائل أن يقول: إن التفرقة على الوجه الذي ادعيتموه غير مسلم [بها] ، بل أقصي ما فيه أن نرى الجوهر وحده، ثم نرى معه لونا، فنفصل بين رؤية سيء واحد بين رؤية شيئين.