أن يغتبط به. فإن جملة مذاهب الدهرية تستند إلى إثبات حوادث لا أول لها، وفي إيضاح إفساد ذلك تصريح بمنع عقائدهم بالنقض والرفض.
ولم نذكر هذه الكلمات متمدحين، بل أوردناها لنميز بين هذه الطريقة وبي ما عداها، ولا نجري جميع الأدلة مجرى واحدًا في الوضوح والخفاء. وقد ذكر الأئمة جملا من الأمثلة في تحقق هذا الأصل نحو قول بعضهم إلى المعلق حدوثه بتقدم حدوث ما لا يتناهى عليه: يستحيل ويفضي إلى منع تصور الحدوث. وضربوا لذلك مثلا فقالوا: إذا قال القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك رهما إلا أعطيك قبله دينارًا، ولا أعطيك دينارًا إلا أعطيك قبله درهمًا فلا يصح منه إعطاء درهم ولا دينار على قصد شرطه. وهذا ومحوه يندرج تحت ما قدمناه من الطرق، فلم نستحب الإطناب في إيراد الأمثلة، فإنا شرطنا في كتابنا هذا التعرض للمقاصد من غير إخلال بها، والإضراب عن التطويل بتكثير الأمثلة والعبارات، والله ولي التوفيق.
فإن قال من الملحدة قائل: إذا لم يتعد إثبات حوادث لا آخر لها، لم يبعد إثبات حوادث لا أول لها، وأشاروا بذلك إلى تجويز توالي الحوادث من غير انقضاء وتصرم. وهذا الذي ذكروه ساقط من أوجه: أقربها أنه ادعاء مجرد، والكلام في حكم النظر لا يخلو: إما أن يكون دليلا، وإما أن يكون قدحًا واعتراضًا. والذي ذكروه خارج من القسمين، فإن ما قدمناه من الأدلة لا يقدح في شيء منها ما ذكروه والذي أبدوه لا يصلح أن يكون دليلا، فإنه اقتصار على دعوي مجردة، ومعارضة لفظية من غير رعاية المعنى. وهذا القدر كاف في الانفصال، ولكنا نتعداه فنقول: حقيقة الحادث الحادث ما له أول. ففي الأولية نفي حقيقة الحدوث، وليس حقيقة الحادث ما له آخر، فانقصل أحد الكلاميين عن الآخر ووضح الفرق بينهما. ثم نقول: إنما الذي أنكرناه انقضاء ما لا يتناهى آحادًا