فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 322

وإنما قال ذلك لاعتقاده لزوم معارضة العجز بالقدرة، كما قدمناه، وليس الأمر عندنا كذلك، والفصل بين العجز والقدرة واضح لا يخفي دركه على متأمل.

والظن بالقاضي أنه اعتضد بالسمع، ولم يرد دلالة العقل. وهذا ما يدل عيه ظاهر كلامه، فإنه لم يصرح برد دلالة العقل. ولو اعتقد بطلانها، لما تحاشي من التصريح به، فليس من دأبه التغطية والتمويه. وهذه الدلالة لا تستقيم على أصول المعتزلة؛ وذلك أنهم زعموا أن العجز يتقدم على المعجوز عنه، كما تتقدم القدرة على المقدور عليه على ما سنقرره في القدر إن شاء الله.

فإن قيل: قد وبختم المعتزلة في الاستشهاد بالأدلة السمعية، ثم وقعتم فيما منه فررتم. فالجواب عن ذلك من وجهين:

أحدها: أن نقول: نحن لم نبطل دلالة العقل، بل قررناها قرارها، واعتضدنا بدلالة السمع تيمنا، وأنتم أبطلتم دلالات العقول.

والوجه الآخر في الجواب أن نقول: أنتم سددتم مدارك العقل في نفي قديمين، إلهين كالملي الاقتدار، فجركم ذلك إلى اضطراب المقدورات، وذلك فضي إلى رد السمع، ونحن إن قدرنا عاجزًا قديمًا عقلا، فليس في ذلك ما يقدح في أحكام القدر، فافترق مذهبانا.

فإن قال قائل: هذا كلامكم في نفي قديم عاجز، فما الدليل على وجوب تعلق القدرة القديمة بما لا يتناهى؟

قلنا: قد ذكر أهل الكلام في ذلك طرقًا لا نرتضيها ونحن نشير إليها، ونبدي وجوه القدح فيها، ثم نذرك الطريقة المرضية.

فمما ذكروه أن قالوا: لو لزم أن يقدر القديم على بعض المقدورات، لوجب أن يكون عاجزًا عنها، وقدمنا استحالة العجز على القديم، وهذا فيه نظر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت