فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 180

سيما الطبقات السحيقة من المجتمع البعيدة عن السلطة والسلطان، فلم تحظ بعطف المماليك إلا أقلية من ذوي الجاه واليسار والمقربين من السلطة، في حين ظلت غالبية الشعب محرومة من ذلك (1) .

ونتيجة للفارق الكبير بين طبقات المجتمع في العصر المملوكي وعدم وجود توازن في الحياة الاجتماعية، استأثر كثير من السلاطين والأمراء بالأموال حتى بلغوا الثراء المفرط، وخير دليل على ذلك ما ذكره المؤرخ جمال الدين ابن تغري بردي عن نكبة الأمير سلار النائب فيقول (2) (. . . وأما سلار فإنه لما حضر بين يدي الملك الناصر عاتبه عتابا كثيرا وطلب منه الأموال، وأمر الأمير سنجر الجادلي أن ينزل معه ويتسلم منه ما يعطيه من الأموال، فنزل معه إلى داره، ففتح سلار جربا تحت الأرض، فأخرج منه سبائك ذهب وفضة وجرب من الأديم الصافي، في كل جراب عشرة آلاف دينار، فحملوا من ذلك الجرب أكثر من حمل خمسين بغلا من الذهب والفضة) وهذه الأموال لا تمثل كامل ثروة الأمير سلار، فقد احتفظ الأمير لنفسه بأموال أخرى ذكرها ابن تغري بردي بقوله: (وأما ما خلفه الأمير سلار من الأموال فقد ذكر منه شيئا) ، ونذكر منه أيضا ما نقله المؤرخون، قال الجزري (3) : (وجد لسلار ثمانمائة ألف ألف دينار، وذلك غير الجواهر والحلي والخيل والسلاح) .

وبمثل هذا الثراء المفرط كان الفقر المدقع الذي يخيم على الطبقات الفقيرة من المجتمع ولا سيما طبقة الفلاحين الذين ليس لهم من جهدهم وتعبهم إلا خدمة أصحاب الإقطاع من الأمراء وغيرهم، والعيش في فقر وعوز دائمين نتيجة ثقل الضرائب المفروضة عليهم (4) .

وأمرا طبيعيا كانت هذه الطبقة الفقيرة معرضة للأوباء وظلم الطبقات العليا، فضلا عن وقوع كواهل هذه الطبقة يشكل عبئا لمقاومة الظلم والاستبداد وتقويم الإنحراف والإعوجاج بما تملك من وسائل وقدرات (5) .

(1) الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك، ص 157.

(2) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج 9، ص 17.

(3) الجزري، أبو الخير محمد بن محمد الدمشقي (ت 883 هـ) ، غاية النهاية في طبقات القراء، مكتبة الخانجي،1932، ص 160.

(4) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ج 9، ص 17.

(5) الدكتور علي إبراهيم حسن: دراسات في تاريخ المماليك البحرية، ص 329.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت