وأصلُ كلِّ آفةٍ نسيانُ الربِّ ، ولولا النسيان لما حَصَلَ العصيان ، والذي نسِيَ أمرَ نَفْسِه فهو الذي لا يجتهد في تحصيل توبته ، ويُسَوِّفُ يُلْزِمَهُ به الوقتُ من طاعته.
قوله جل ذكره: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَّصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} .
أي لو كان للجبلِ عقلٌ وصلاحُ فِكْرٍ وسِرٍّ ، وأنزلنا عليه هذا القرآن لخَضَعَ وخَشَعَ. ويجوز أن يكون على جهة ضرب المثل كما قال: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} [مريم: 90] ويدل عليه أيضاً قوله.
{وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} : ليعقلوا ويهتدوا ، أي بذلك أمَرْناهم ، والمقصود بيان قسوة قلوبهم عند سماع القرآن.
ويقال: ليس هذا الخطابُ على وَجْهِ العتابِ معهم ، بل هو سبيل المدح وبيان تخصيصه إيَّاهم بالقوة ؛ فقال: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ} لم يُطِقْ ولخَشَع - وهؤلاء خَصَصْتُهم بهذه القوة حتى أطاقوا سماع خطابي. (1)
قوله جل ذكره: {هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} .
{الْغَيْبِ} : ما لا يُعْرَفُ بالضرورة ، ولا يُعْرَف بالقياس من المعلومات. ويقال: هو ما استأثر الحقُّ بعِلْمِه ، ولم يجعل لأحدٍ سبيلاً إليه.
{وَالشَّهَادَةِ} : ما يَعْرفُه الخَلْقُ.
وفي الجملة. لا يَعْزُبُ عن عِلْمِه معلومٌ.
قوله جل ذكره: {هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} .
{الْمَلِكُ} : ذو القدرة على الإيجاد.
{الْقُدُوسُ} : المُنَزَّهُ عن الآفة والنقص.
(1) يتصل هذا بموضوع السماع عند الصوفية ، وقد عقد السراج له فصلا ممتعا فِي «اللمع» ، ومن أقواله المتصلة بهذه النقطة التي أثارها القشيري يقول السراج: ألا ترى أحدهم يكون ساكنا فيتحرك ويظهر منه الزفير والشهيق ، وقد يكون من هو أقوى منه ساكنا في وجده لا يظهر منه شيء من ذلك (اللمع ص 375) ويجيب الجنيد حين سئل عن سكونه وقلة اضطرابه عند السماع: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب).