الطريق لإدراك طائفة من الحقائق المتعالية" [1] ، ومن هنا كان الخيال عند المتصوفة"أصل جميع العوالم" [2] ."
إن مهمة الخيال خطيرة في العمل الفني والشعري بخاصة، فالصورة الفنية"لا تكتمل بدونه مهما كانت قدرات الشاعر والفنان، ولما كانت هذه الصورة قد استوعبت صفات التشكيل المكاني" [3] فإن الخيال ارتبط مثلها بالمكان الذي"يدعونا للفعل، ولكن قبل الفعل ينشط الخيال، ينقي الأرض ويحرثها" [4] .
تتحدد مهمة القصيدة الحديثة في"تنسيق أحزان العالم" [5] وأحزان العالم هي احزان الوجود،"والشعر يهتم بالوجود والوجود لا نهائي" [6] .
وما دام الإنسان في صراع مستمر مع الوجود -ومن أجله- فإن الشاعر المعاصر هو أحد أطراف هذا الصراع، بل هو أحد أطرافه الأساسيين، ومن هنا جاء اهتمامه بالأساطير مستلهمًا دلالاتها البدئية ومستكنها أبعادها الإنسانية لمواجهة خيبات العصر، فالأسطورة"هي الماضي الحاضر في الحاضر". [7] وحين يستخدم الشاعر الأسطورة فإنه بذلك"يقوم بعملية اختراق حضاري لماضٍ غابر غير حضاري يحمل معه براءة البشرية ونقاءها في عهود طفولته الأولى" [8] .
فاستدعاء الأسطورة على وفق هذا التصور لا يكون حلية عند الشاعر الفنان بل هو استجابة لسياقات الشاعر النفسية والفنية معًا. ويترتب على ذلك أن يعي الشاعر"أن استخدامه لهذا الرمز أو ذاك لن يكون له قوة التأثير الشعري ما لم يحسن .. استغلال العلاقات أو الأبعاد القديمة لهذا الرمز، وما لم يضف إلى ذلك أبعادًا جديدة هي من كشفه الخاص" [9] .
وبعبارة أخرى، لكي يكون استخدام الأسطورة ناجحًا ينبغي استدعاؤها ضمن السياق الطبيعي، ومنحها الدلالة العصرية المناسبة من خلال ما يستلزمه السياق من تحوير وتغيير وزيادة، فكلما تضافرت"العناصر الأسطورية في دلالتها مع"
(1) المكان نفسه
(2) كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي، 2/ 351 - 353
(3) تشكيل المعنى الشعري ونماذج من القديم، عبد القادر الرباعي، م فصول، ع 2 - ع 3 - 1984 - ص 65
(4) جماليات المكان، باشيلار، 49
(5) الصورة الشعرية، سي دي لويس، 20
(6) الحياة والشاعر، ستيفن سبندر، 186.
(7) الشعر العراقي الحديث، د. جلال الخياط، 159
(8) المكان نفسه.
(9) الشعر العربي المعاصر. د. عز الدين بن اسماعيل 196